الصفحة 150 من 218

"روى أن غلمانًا لابن حاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة ، فأتى بهم عمر ، فأقروا ، فأمر كثير بن الصلت بقطع أيديهم . فلما ولى رده ثم قال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه لحل له ، لقطعت أيديهم . ثم وجه القول لابن حاطب بن أبي بلتعة فقال: وأيم الله إذ لم أفعل ذلك لأغرمنك غرامة توجعك ! ثم قال يا مزني ، بكم أريدت منك ناقتك ؟ قال: بأربعمائة قال عمر لابن حاطب: اذهب فأعطه ثمانمائة"

فهنا مبدأ صريح لا يحتمل التأويل ، هو أن قيام ظروف تدفع إلى الجريمة يمنع تطبيق الحدود ، عملًا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم:"ادرأوا الحدود بالشبهات" (1) .

فإذا استعرضنا سياسة الإسلام في جميع العقوبات التي قررها ، وجدنا أنه يلجأ أولًا إلى وقاية المجتمع من الأسباب التي تؤدي إلى الجريمة ، وبعد ذلك لا قبله يقرر عقوبته الرادعة وهو مطمئن إلى عدالة هذه العقوبة ، بالنسبة لشخص لا يدفعه إلى جريمته مبرر معقول . فإذا عجز المجتمع لسبب من الأسباب عن منع مبررات الجريمة ، أو قامت الشبهة عليها في صورة من الصور ، فهنا يسقط الحد بسبب هذه الظروف المخففة ، ويلجأ ولى الأمر إلى إطلاق سراح المجرم أو توقيع عقوبات التعزير - كالضرب والحبس - بحسب درجة الاضطرار أو درجة المسئولية عن الجريمة .

(1) رواه عبد الله بن عباس . انظر فصلًا بهذا العنوان في كتاب"قبسات من الرسول"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت