الصفحة 69 من 218

ثانيًا: أن أوربا حين وقعت في الإقطاع تقع فيه لأنه طور اقتصادي طبيعي لا بد أن تمر فيه البشرية أرادت أم لم ترد ، وإنما هي انحدرت إليه بسبب عدم وجود نظام ولا عقيدة تنظم مشاعر الناس وتنظم علاقاتهم . ولو وجد النظام والعقيدة - كما حدث في الإسلام - لما استعصت العلاقات الاقتصادية والاجتماعية على التنظيم ، ن ولما كان التطور الاقتصادي قوة جبرية على الأفكار والمشاعر تمنع توجيهها إلى حيث يراد لها من التحرر والارتفاع .

ثالثًا: أن الأطوار الاقتصادية التي ترسمها نظرية المادية الجدلية على أنها تاريخ عام للبشرية ، وهي: الشيوعية الأولى ، والرق ، والإقطاع ، والرأسمالية ، والشيوعية الثانية ، لا تمثل في الواقع إلا تاريخ أوربا فقط ، ولا تتقيد بها إلا أوربا ، أما بقية العالم فليس حتمًا أن يسير في هذه الأطوار- وقد رأينا أن العالم الإسلامي لم يمر بالإقطاع في دورة التاريخي - وليس حتمًا كذلك أن يصل إلى الشيوعية في نهاية المطاف !

لم تنشأ الرأسمالية في العالم الإسلامي لأنها نشأت بعد اختراع الآلة . وهذا تم - كما نعلم - في العالم الغربي . ولم يكن ذلك حتمًا ، لأنه كان يمكن أن يحدث في الأندلس على يد العرب المسلمين ، لو استمرت الدولة الإسلامية قائمة هناك ، ولم يقتلها التعصب الديني ، ومحاكم التفتيش التي تمثل أبشع ما حدث في تاريخ العالم من اضطهاد بسبب العقيدة ، والتي كانت موجهة في حقيقتها إلى المسلمين .

نعم . كانت الحركة العلمية في الأندلس سائرة في طريقها الطبيعي إلى اختراع الآلة ، ولكن الظروف السياسية التي طردت المسلمين من هناك أخرت التقدم العلمي عن موعده بضعة قرون حتى أفاقت أوربا من غشيتها ، وتسلمت علوم المسلمين ، وعلوم الإغريق التي كانت هي الأخرى في رعاية الجامعات الإسلامية ، وانطلقت - من ثم - تشق طريقها في متدان الاختراع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت