وإنما انتقلت الرأسمالية إلى العالم الإسلامي وهو مغلوب على آمره ، واقع في قبضة الأوربيين ، غارق في الفقر والجهل والمرض والتأخر ، فسرت فيه بحكم"التطور"، وظن بعض الناس - لذلك - أن الإسلام يقبل الرأسمالية بخيرها وشرها ، وانه ليس في نظمه وتشريعاته ما يعارضها أو يقف دونها ، لأنه يبيح الملكية الفردية ، وهذه قد صارت بحكم التطور الاقتصادي العالمي إلى ملكية رأسمالية . وما دام الإسلام يبيح الأصل فهو يبيح النتائج بطبيعة الحال !
وكان يكفي للرد على هؤلاء أن نذكر بديهية صغيرة يعرفها كل من درس الاقتصاد . وهي أن الرأسمالية لا يمكن أن تقوم وتأخذ صورتها الواسعة التي هي عليها اليوم بغير الربا والاحتكار ، والإسلام قد حرمهما كليهما قبل نشوء الرأسمالية بأكثر من ألف عام !
ولكنا لا نريد أن نتعجل الرد على أولئك المبطلين ، ونريد أن نفترض أن اختراع الآلة قد نشأ في العالم الإسلامي - كما كان يمكن أن يحدث - فكيف كان الإسلام سيواجه التطور الاقتصادي الذي سينشأ لا محالة نتيجة اختراع الآلة ، وكيف كان سينظم علاقات العمل والإنتاج في ظل نظمه وتشريعاته ؟
يجمع كتاب الاقتصاد حتى المعادون منهم للرأسمالية - وعلى رأسهم كارل ماركس على أن الرأسمالية في نشأتها كانت خطوة تقدمية جبارة ، وأنها أدت خدمات هائلة للبشرية في شتى مناحي الحياة ، فقد زادت الإنتاج ، وأصلحت وسائل المواصلات ، واستغلت موارد الطبية على نطاق واسع لم يكن متاحا من قبل ، ورفعت مستوى الحياة بالنسبة لطبقة العمال عما كانوا عليه في عهد الاعتماد الكلي أو الرئيسي على الزراعة .