الصفحة 178 من 218

وما يدافع أحد عن الدكتاتورية ، وما يرضاها إنسان حر الفكر والضمير . ولكن استقامة الطبع والفكر تقتضي الإقرار بالحق الخالص دون ميل مع الهوى والشهوات . والحق أن كل معنى جميل يمكن استغلاله والتستر وراءه لقضاء المآرب الشخصية وقد ارتكبت باسم الحرية أفظع الجرائم في الثورة الفرنسية . فهل نلغي الحرية ؟ وباسم الدستور سجن الأبرياء وعذبوا وقتلوا ، فهل نلغي الدساتير ؟ وباسم الدين قام الطغيان حقًا في الأرض فهل يبرر ذلك أن نلغي الدين ؟ كان هذا يكون مطلبًا معقولًا لو أن الدين في ذاته ، بتعاليمه ونظمه يؤدي إلى الظلم والطغيان . فهل يصدق ذلك على الإسلام الذي ضرب من أمثلة العدل المطلق - لا بين المسلمين وحدهم ، بل بين المسلمين وأعدائهم من المحاربين - ما أقر به حتى أولئك الأعداء في أكثر من حادث وأكثر من فترة على مدار التاريخ ؟

إنما علاج الطغيان أن ننشئ شعبًا مؤمنًا يقدر الحرية التي ينادي بها الدين ويحرص عليها ، فيصد الحاكم عن الظلم ، ويقف به عند حده المرسوم . ولست أحسب أن نظامًا يهدف إلى ذلك مثل النظام الذي جعل من واجب الشعب تقويم الحاكم الظالم . فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكرًا فليغيره .. (1) "ويقول:"إن من أعظم الجهاد عند الله كلمة حق عند إمام جائر (2) "..

طريقكم إذن للتحرر أيها التقدميون ليس إلغاء الدين . وإنما هو تعليم الناس هذه الروح الثائرة التي تنفر من الظلم وتقوّم الظالمين . وإنها في صميمها لروح هذا الدين .

تلك قولة كارل ماركس …

ودعاة الشيوعية في الشرق الإسلامي يرددونها وراءه . ويريدون تطبيقها كذلك على الإسلام .

(1) متفق عليه .

(2) رواه أبو داود والترمذي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت