بل في الميدان الاقتصادي والاجتماعي ذاته .. من الذي يقول إن المساواة المطلقة قد أمكن أن تطبق في واقع الأرض ؟ في أي بلد من بلاد العالم كله تساوت جميع الأجور أو تساوت جميع المناصب ؟ فلنفرض أن عاملًا في الاتحاد السوفييتي شديد الطموح عظيم التوق. فهو تواق لأن يكون مهندسًا ، ولكن مواهبه العقلية تحول دون ذلك رغم إعطائه جميع الفرص العادلة . أو أن عاملًا لا يجد في جسمه طاقة بعد وحدة العمل الإجبارية الأولى ليقوم بعمل إضافي يأخذ عليه أجرًا إضافيًا ، ولكنه مع ذلك يتحرق شوقًا إلى ما يناله الآخر القوي من أجر زائد ينفقه في متع الحياة . ما الذي تملكه الدولة لهذا وذلك ؟ وكيف يستطيع أن يسعد بحياته وهي مشوبة بالقلق المستمر والتطلع الدائم والحقد المرير؟ وكيف - بغير التطلع إلى رحمة الله ونشدان الراحة في رحابها - يستطيع أن يؤدي عمله في كما ينبغي ، ليستفيد من جهده المجموع ؟ أبالحديد والنار خير ، أم بدافع داخلي من الرضا والإقبال ؟
هذه هي دعوة الإسلام . العمل لتحقيق الرغبات المشروعة ، والرضا بما لا يستطيع تغييره أحد . أما حين يوجد الظلم الذي يمكن تغيره ، فلن يرضى الله عن الناس حتى يزيلوا هذا الظلم بالثورة عليه وتحطيمه:"ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا (1) ".
فإذا كان في الدنيا كلها دين يصلح أن يكون أفيونًا للشعب ، فلن يكون هذا الدين هو الإسلام ، الذي يكافح الظلم بجميع صوره وألوانه ، وينذر الذين يقبلون الظلم بشر العقاب .
موقف الطوائف غير المسلمة من حكم الإسلام مسألة يقال عنها دائمًا إنها شائكة ودقيقة ، ويتجنب الناس الحديث فيها مخافة وقوع الفتنة بين المسلمين وغير المسلمين .
(1) سورة النساء [74] .