ذلك فارق أساسي في أهداف الحرب وتقاليدها بين المسلمين وغير المسلمين . وقد كان الإسلام يملك لو أراد - والحق يسنده في ذلك - أن يعتبر من يقع في يديه من الأسرى - ممن يعاندون الهدى ويصرون على وثنيتهم الهابطة وشركهم المخرف - قومًا ناقصي الآدمية ، ويسترقهم بهذا المعنى وحده . فما يصر بشر على هذه الخرافة - بعد إذ يرى النور - إلا أن يكون في نفسه هبوط أو في عقله انحراف ، فهو ناقص في كيانه البشري ، غير جدير بكرامة الآدميين ، وحرية الأحرار من بني الإنسان .
ومع ذلك فإن الإسلام لم يسترق الأسرى لمجرد اعتبار أنهم ناقصون في آدميتهم ، وإنما لأنهم - وهذه حالهم - قد جاءوا يعتدون على حمى الإسلام ، أو وقفوا بالقوة المسلحة يحولون بين الهدى الرباني وبين قلوب الناس .
وحتى مع ذلك فلم يكن تقليد الإسلام الدائم هو استرقاق الأسرى . فقد أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم بعض أسرى بدر من المشركين منًّا بغير فداء ، وأطلق بعضهم لقاء فدية ، وأخذ من نصارى نجران جزية ورد إليهم أسراهم ، ليضرب بذلك المثل لما يريد أن تهتدي إليه البشرية في مستقبلها .
ومما هو جدير بالإشارة هنا أن الآية الوحيدة التي تعرضت لأسرى الحرب: ( فإما منّا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ) (1) لم تذكر الاسترقاق للأسرى ، وإنما ذكرت الفداء وإطلاق السراح دون مقابل ، حتى لا يكون الاسترقاق تشريعًا دائمًا للبشرية ولا ضربة لازب ، إنما هو أمر يلجأ إليه الجيش الإسلامي المحارب إذا اقتضته الظروف والملابسات .
يضاف إلى ذلك أن الأسرى الذين كانوا يقعون في يد الإسلام كانوا يعاملون تلك المعاملة الكريمة التي وصفناها من قبل ، ولا يلقون الهوان والتعذيب ، وكان يفتح أمامهم باب التحرر حين تسعى نفوسهم إليه وتحتمل تبعاته ، وإن كان معظمهم في الواقع لم يكن حرًا قبل أسره ، إنما كان من الرقيق الذي استرقه الفرس والرومان ودفعوه إلى قتال المسلمين .
(1) سورة محمد [4] .