البستان هو المكان الجميل الواسع الذي يسعد من فيه، كل ذلك في صدره في قلبه في عبادته في تلاوته في أذكاره، اطمئنانه إلى رضا الله عنه.
وعندما يشعر السجين المسلم بالحرمان من الحركة في الأرض و معايشة آيات الله الكونية فهذا الأمر يعالجه .. الوصول المباشر إلى الغاية من الحركة و الغاية من المعايشة الكونية للآيات و هي ذكر الله.
إن الارتباط بين الذكر و تدبر الآيات الكونية حقيقة نفسية {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ والأرض وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألباب - الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ والأرض رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}
فأنت تستطيع إذا ذكرت الله .. في السجن أن تستمتع بمتعه الرؤية الكونية كاملة. لأن هذه الرؤية غلبتها ذكر الله التي تبلغها في سجنك
وأنت عندما تذكر الله تتحقق في قلبك المتعة الكاملة فأنت عندما تقول في زنزانتك المظلمة. . . [أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ وَعَلَى كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ وَعَلَى دِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وَعَلَى مِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ] [1]
فيتحقق فيك أثرا أقوى من رؤيتك للصبح إذا ظهر.
إن معاناة المسلم في سجنه تنشأ عن أسباب محددة أهمها:
الإحساس بحرمانه من دوره في الدعوة:
وهذا السبب تعالجه سورة الكهف {إذ أوى الفتية إلى الكهف} فلقد كان الدور المحدد للفتية هو إعلان العقيدة والولاء ...
{وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ والأرض .. } العقيدة.
{ ... لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطا ً} الموقف.
{هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَاتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} تقييم الواقع بمقتضى العقيدة
ثم كان الضرب على آذانهم سنين عددا.
كان دورهم بعد إعلان موقفهم هو البقاء في الكهف. . بلا حركة .. و لا كلام .. و لا تفكير {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا} .
ولكن هذا الدور كان سببًا في إيمان أمتهم ..
فقد تعلم الناس منهم التوحيد ..
والثبات عليه في أنفسهم ..
والمفاصلة عليه مع الناس.
وكان هذا الدرس كاملًا و كافيًا .. ليؤمن الناس.
ونفس قصة الفتية تعالج أمرًا آخر من أمور السجن و هو الضيق و عدم الاتساع.
إن الله قادر على أن يملأ الإنسان إحساسًا باتساع المكان الذي يعيش فيه و لذلك يقول الله سبحانه
{وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ فَاوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا} و النشر لا يكون إلا في الاتساع و الفضاء و الأفق وكل ذلك يكون مع أخوه السجن كما كان مع فتية الكهف.
ب- التمكين:
إذا كان الابتلاء هو التجربة النفسية للتربية الكاملة فإن ارتباط الابتلاء بالتمكين يجب أن يكون امتدادًا للتجربة النفسية من هذا الابتلاء أصلًا و هذا الامتداد يعنى الاستفادة من النتيجة النفسية لتجربة الابتلاء في تحقيق مقتضيات التمكين.
وأول هذه المقتضيات هو أن يكون الناجون من فتنة الابتلاء و الاستضعاف هم أحق الناس بالمكانة في واقع التمكين
(1) [صحيح] أخرجه أحمد في"مسنده" (3/ 406 - 407) من حديث عبد الرحمن بن أبي أبزي، وصححه الشيخ الألباني في (صحيح الجامع / 2/ 854 - 855 / ح 4674) .