ولذلك نجد تصرفات القائمين على السجن هادفه إلى أن لا يعتاد السجين حياته في السجن و أن لا يألفها فمن أجل ذلك تكون التنقلات الكثيرة حتى تحرم المسجون من إلاستقرار و السكينة.
ثم يكون اختيار العناصر غير المتجانسة في العادات و التقاليد و إلافكار و إلاهداف في تجمعات واحدة (زنزانة أو عنبر) حتى لا يحدث التآلف و الوفاق.
إن فترة السجن شبيهة بفترة البرزخ التى يكون فيها إلانسان غائبًا عن الدنيا و لذلك يمكن إلاستفادة بهذا إلاحساس في تقوية إلاستعداد للآخرة فيتخيل إلانسان نفسه و كأنه في برزخ.
وشعور السجين بغيابه عن الدنيا يعالجه اليقين بأنه هو وجميع من في السجن وجميع القائمين على السجن ليسوا غائبين عن الله ...
ويعالج هذا الشعور في نفس إلاخ السجين ... قول الله عز وجل: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إلا يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ إلارْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إلا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} فالله يريد أن نعلم قدر علم الله فهذه الورقة الصغيرة التى تتهاوى من شجرة في هدأة الليل و ظلمته يعلمها الله و هو الذى قدر سقوطها فيبث ذلك في قلب السجين طمأنينة أنه ما دخل هذا السجن إلا بعلم الله و قدره فهو عندما يأكل اللقمة و يشرب شربة الماء و يأخذ النفس في هذا المكان يكون ذلك بقدر الله و بعلمه.
وبذلك تكون حياه السجين المسلم كلها اجر ..
وقته، طعامه و شرابه، نومه، ويقظته، و عمره ..
ويكون السجن هو أجر العمر.
وعندما يعلم أنه لا تغيب حبة في ظلمات الأرض عن الله فانه يوقن أنه لا يغيب في ظلمات السجن عن الله فالمسلم السجين في كتاب مبين. لانه لا حدث في الكون إلا في كتاب مبين.
وليكن كل سجين مسلم وثيقة من وثائق اليقين و الثبات و هذا عطاء السجناء.
وقد يعانى السجين من الحرمان من الحرية و الحركة
والحقيقة أن معالجة هذا السبب يتطلب مناقشة سريعة لمفهوم الحرية. . .
فعندما قالت أم مريم {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} كانت تقصد خالصًا و هذا ما أورده الطبري في كتابه جامع البيان عن تأويل آي القرآن بقوله: عن مجاهد: {إني نذرت لك ما في بطني محررا} قال: خالصا لا يخالطه شيء من أمر الدنيا.
و هذا هو"الحر"الخالص لله ...
فالحرية مفهوم مرهون بالحركة و الغاية من الحركة ... و هي العبودية لله.
والذين لا يفهمون يقيدون حرية المسلم بحرمانه القدرة على الحركة كما يريد هو و هذا مفهوم خاطئ فالحرية هي الحركة كما يريد الله و بمقدار التزامك بمراد الله تكون خالصًا محررًا
فعندما تدعوا إلى دين الله و تسجن تكون كما أراد الله .. فتكون حرًا.
وعندما لا يتحكم فيك هواك تكون حرًا.
وعندما لا تخضع لغير الله تكون حرًا.
أما الحركة كلها .. فهي التحول أو الحول (و لا حول و لا قوة إلا بالله) .
فعندما يرى المسلم السجين نفسه لا يستطيع أن يخطو خطوة إلا بأمر السجان يجب أن يتذكر أنه لا حول له و لا للسجان و لا لجميع الخلائق فنواصي العباد جميعهم بيد الله و هذا معنى (لا حول و لا قوة إلا بالله) .
إن إحساس المسلم السجين بالخارج يفسره ابن تيميه تفسيرًا رائعًا عندما كان يغلق عليه السجان باب زنزانته فيقول: (فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ ....
فكان يقول:"بستاني في صدري ..."فليس له تعلق بالخارج.
بستانه في صدره. . .