الصفحة 134 من 276

ثم يأتي الموضوع المباشر للاستشهاد بقول ابن القيم. ومنكر هذا ليس معدودا من بنى آدم إلا بالصورة والشكل فاذا قابلت النفس الزكية العلية الشريفة التى فيها غضب و حمية للحق هذه النفوس الخبيثة السمة، و تكيفت بحقائق الفاتحة و أسرارها ومعانيها، وما تضمنه من التوحيد، و التوكل، والثناء على الله، وذكر أصول أسمائة الحسنى، وذكر اسمه الذي ما ذكر على شر إلا أزالة ومحققة، ولا على خير إلا نماه وزاده دفعت هذه النفوس بما تكيفت به من ذلك أثر تلك النفس الخبيثة الشيطانية، فحصل البرء، فان مبنى الشفاء و البرء على دفع الضد بضده، و حفظ الشيء بمثله فالصحة تحفظ بالمثل و المرض يدفع بالضد، أسباب ربطها بمسبباتها الحكيم العليم خلقا وأمرا. ولا يتم هذا إلا بقوة من النفس الفاعلة، وقبول من الطبيعة المنفعلة. فلو لم تنفعل نفس الملدوغ لقبول الرقية، ولم تقو نفس الراقي على التأثير لم يحصل البرء.

فهنا أمور ثلاثة: موافقة الدواء للداء و بذل الطبيب له وقبول طبيعة العليل.

فمتى تخلف واحد منها لم يحصل الشفاء، واذا اجتمعت حصل الشفاء ولابد، بأذن الله سبحانه وتعالى.

ومن عرف هذا، كما ينبغي تبين له أسرار الرقي. ويميز بين النافع منها و غيره، ورقي الداء بما يناسبه من الرقي، و تبين له أن الرقية براقيها و قبول المحل، كما أن السيف بضاربه مع قبول المحل للقطع. وهذه اشارة مطلعة على ما وراءها لمن دق نظرة و حسن تأمله والله أعلم.

أما المنهج العام للعلاج فهو الوحى و التجربه كما قال ابن حجر في فتح البارى في شرح العلاج بالسعوط في قوله عليه الصلاه والسلام (عليكم بهذا العود الهندى فان فيه سبعه أشفيه يستعط به من العذره و يلد به من ذات الجنب) [1] قال ابن حجر (كذا وقع إلاقتصار في الحديث من السبعه على اثنتين وأجاب بعض الشراح بأن السبعه علمت بالوحى وما ذاد عليها بالتجربه وفي ذلك يقول ابن القيم و اما شهادة التجارب بذلك فهى أكثر من أن تذكر، وذلك في كل زمان. وقد جربت أنا(الكلام لابن القيم) من ذلك في نفسي وفي غيري أمورا عجيبة، ولا سيما مدة المقام مكة، فانه كان يعرض لى إلام مزعجه بحيث تكاد تقطع الحركة منى، وذلك في أثناء الطواف وغيره، فأبادر الى قراءة الفاتحة وأمسح على محل ألألم فكأنه حصاة تسقط. جربت ذلك مرارا عديدة، وكنت آخذ قدرا من ماء زمزم، فأقرأ عليه الفاتحة مرارا، فأشربه فأجد به النفع و القوة ما لم أعهد مثله في الدواء. وإلامر أعظم من ذلك، ولكن بحسب قوة إلايمان وصحة اليقين والله المستعان.

(1) [متفق عليه] أخرجه البخاري في (الطب / بـ اللدود / ح 5713) ، ومسلم في (السلام / بـ التداوي بالعود الهندي وهو الكست / ح 287) من حديث أُمِّ قَيْسٍ قَالَتْ: دَخَلْتُ بِابْنٍ لِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ مِنْ الْعُذْرَةِ فَقَالَ: [عَلَى مَا تَدْغَرْنَ أَوْلَادَكُنَّ بِهَذَا الْعِلَاقِ عَلَيْكُنَّ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ يُسْعَطُ مِنْ الْعُذْرَةِ وَيُلَدُّ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ] فَسَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: بَيَّنَ لَنَا اثْنَيْنِ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا خَمْسَةً قُلْتُ لِسُفْيَانَ فَإِنَّ مَعْمَرًا يَقُولُ أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ؟! قَالَ: لَمْ يَحْفَظْ إِنَّمَا قَالَ: أَعْلَقْتُ عَنْهُ حَفِظْتُهُ مِنْ فِي الزُّهْرِيِّ وَوَصَفَ سُفْيَانُ الْغُلَامَ يُحَنَّكُ بِالْإِصْبَعِ وَأَدْخَلَ سُفْيَانُ فِي حَنَكِهِ إِنَّمَا يَعْنِي رَفْعَ حَنَكِهِ بِإِصْبَعِهِ وَلَمْ يَقُلْ أَعْلِقُوا عَنْهُ شَيْئًا].

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت