لعلنا نذكر دائمًا .. دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ] [1] .. ونتسائل لماذا أحد العمرين؟ لماذا لم يكن بالعمرين؟
إن الدعاء يجمع بهذه الصيغة المشيئة والاختيار .. وهاتان الحقيقتان القدريتان لا تجتمعان إلا للأقدار الكبيرة التي يترتب عليها أقدار كثيرة ..
ونعلم كيف إن الإنسان في بداية خلقه في بطن أمه اختيار كان ربانيا من بين ملايين الحيوانات المنوية. ومن الملايين يتم اختيار واحد ليكون أمام إحدى البويضتين ليتم اختيار الواحدة التي ستكون إنسانًا .. ولذلك كان قدر الاختيار من أعظم الأقدار .. فثبت في إسلام عمر حقيقة المشيئة والاختيار، لأن إسلام عمر كان قدرًا عظيمًا .. ولكن .. من منا ينسى سبب إسلامه وظروف هدايته .. لا أحد، وكذلك عمر .. لقد كانت هناك سورتان في حياة عمر الإيمانية أولهما الحاقة، و ثانيتهما طه، أما دليل سورة الحاقة فهو الحديث الذي رواه أحمد حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان حدثنا شريح ابن عبيده قال:
-قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: [خَرَجْتُ أَتَعَرَّضُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى الْمَسْجِدِ فَقُمْتُ خَلْفَهُ فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْحَاقَّةِ فَجَعَلْتُ أَعْجَبُ مِنْ تَالِيفِ الْقُرْآنِ قَالَ فَقُلْتُ هَذَا وَاللَّهِ شَاعِرٌ كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ قَالَ فَقَرَأَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ قَالَ قُلْتُ كَاهِنٌ قَالَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ قَالَ فَوَقَعَ الْإِسْلَامُ فِي قَلْبِي كُلَّ مَوْقِعٍ] [2]
لقد أحدثت هذه السورة توافقًا بين عمر و الطبيعة القرآنية فإن السورة لها طبيعة القوة و الحسم و قد وضح ذلك من خلال كلمات السورة: الحاقة، القارعة، الطاغية، العاتية الرابية، فكان هذا التوافق مدخلًا قرآنيًا إلى قلب عمر من خلال طبيعته و شخصيته
أما سورة طه .. فقد كانت الصبغة النى اصطبغت شخصيته بكل حقائقها و قضاياها فكان لابد أن يكون بين عمر والسورة مودة خاصة وتعامل نفسى خاص ..
(1) [صحيح] أخرجه الترمذي في (المناقب / بـ في مناقب عمر رضي الله عنه / ح 3681) من حديث ابن عمر، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وصححه الشيخ الألباني في (صحيح الترمذي / 3/ 204 / ح 2907) ، وأخرجه ابن ماجة في (المقدمة / بـ فضل عمر رضي الله عنه / ح 93) من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ [اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ خَاصَّةً] ، وصححه الشيخ الألباني في (صحيح ابن ماجة / 1/ 24 / ح 85) دون قوله: [خاصة] .
(2) [منقطع] أخرجه أحمد في (المسنده / 108) قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .... فذكره.
قال الهيثمي في (المجمع / 9/ 62) : رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات إلا أن شريح بن عبيد لم يدرك عمر. اهـ