الصفحة 94 من 276

الثانية: إجماع المسلمين. وهم شهداء الله في الأرض كما قال النبي:"أنتم شهداء الله في الأرض" [1] ، دليل على تزكية الله للعبد.

وباعتبار أن مدح المسلمين لشخص هو عاجل بشرى المؤمن بمدحه عند الله؛

وباعتبار أن وضع القبول لشخص في الأرض دليل على حب الله. ومن هنا كان خير الأمراء من يحبون الرعية وتحبهم الرعية، كما قال:"خير أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم" [2] .

ولقد ضرب القرآن مثلًا لعاقبة حكم الإنسان لنفسه من حيث الالتزام.

وهي الرهبانية التي ابتدعها أصحابها وما كتبها الله عليهم. ولم يكن لأحد التدخل فيها إلا أنهم لم يتبعوها، وهم مخترعوها، فليست المشكلة في الحكم ولكن في النفس.

ومن هنا فإن إنشاء النظام في الواقع ليس مهمة نفسية سهلة، ولذلك بدأها القرآن بدقة متناهية.

حيث تعامل القرآن فيها مع الذات تعاملًا رائعًا، و كان من بدايات هذا التعامل قول الله عز وجل: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ) (سورة المجادلة: 11) .

فلم يكن أمرًا سهلًا أن تطلب من رجل عربي أن ينتقل عن مكانه ... لأن العربي كان يعتبر مكانه ومجلسه هو ذاته وشخصيته ومكانته؛ لذا كانت الاستجابة للتفسح في المجالس مرحلة نفسية هائلة ..

وكان من بدايات هذا التعامل أيضًا هو الأمر بالاستئذان من رسول الله قبل الانصراف: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله و إذا كانوا على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستئذنوه .. الآية (النور: 62) .

وابتداءً من مثل هذه المواقف النفسية، وانتهاء بالبيعة على السمع والطاعة كانت الاعتبارات النفسية أساسًا واضحًا في إقامة السلطة الإسلامية،

و هكذا كان الخط النفسي لإنشاء السلطة.

(1) [متفق عليه] أخلاجحه البخاري في (الجنائز / بـ ثناء الناس على الميت / ح 1367) ، ومسلم في (الجنائز / بـ فيمن يثنى عليه خير أو شر من الموتى / ح 949) من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ] وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ] قَالَ عُمَرُ: فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرٌ فَقُلْتَ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرٌّ فَقُلْتَ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ!! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ] .

(2) [صحيح] اخرجه مسلم في (الإمارة / بـ خيار الأئمة وشرارهم / ح 1855) من حديث عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ. قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ فَقَالَ: لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت