الصفحة 95 من 276

ولكن هذا الإنشاء كان بداية خطوط نفسية أخرى لا تقل شأنًا عن خط النشأة.

وأخطر هذه الخطوط: خط الطمع فيها، وهو حب السلطة ...

وهي الظاهرة المدمرة للنفس والجماعة، كما قال رسول الله:"إنكم ستحرصون على الأمارة، وإنها ستكون ندامة وحسرة يوم القيامة، فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة". وفي رواية: خزي وندامة. [1]

والملاحظة الجميلة في الحديث؛ قول رسول الله: إنها:"خزي وندامة". لأن الخزى: هو المقابل للمكانة التي تحققها السلطة لصاحبها .. والندامة: هي التي تقابل اللهفة التي يسعى بها الإنسان للسلطة.

وأما قوله:"فنعم المرضعة وبئست الفاطمة". فهي العبارة التي ارتبطت بها أحدث الدراسات النفسية. فقد أجريت دراسة حول شخصية الإنسان الذي اكتملت رضاعته والذي لم تكتمل رضاعته وفطم قبل وقته، فوجدوا أن الشخص الذي اكتملت رضاعته ينشأ متوازنًا واثقًا في نفسه. أما الآخر فوجدوه عدوانيًا محبًا للتسلط، مما يجعل معالجة حب السلطة يبدأ من إتمام فترة الرضاعة، كما قال:"فنعم المرضعة وبئست الفاطمة".

وقد نصح رسول الله عبدِ الرحمَنِ بن سَمُرَة َبقوله:"لاَ تَسْأَلِ الإمَارَةَ فَإنّكَ إنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْهَا وَإنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا" [2] .

والحقيقة أن مرض حب السلطة مرتبط من حيث الوحدة السلوكية بظاهرة الكبر إذ أن كلا الظاهرتين هما في حقيقتيهما فرض للسلطة أو الرأي على الآخرين ..

والخطير في هذا المرض هو أن الاصابه به بأي درجة، تجعل الإنسان عاجزًا عن مواجهتها .. ومن هنا فإن التحذير من هذه الأمراض يأتي بصورة نهائية ومطلقة بحيث لا يقع الإنسان في شرها .. ففي الكبر قال الرسول:"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ"قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ:"إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ" [3] .

ويدخل في طبيعة هذا الداء: حب التميز بأي شكل من الأشكال ..

ولذلك لم يقبل رسول الله أن يخرج رجل عن الصف فضربه في صدره حتى ساوى بينه وبين الصف.

2 -النسك:

و النسك، هي العبادة بمعناها الانساني و النفسي، قال

ابن منظور: رجل ناسك، أي عابد. فالنسك: هو الأمر يقابله الورع من"النهي".

وهذه المقابلة تدل على طبيعة الورع كذلك، وقيل للمتعبد: ناسك لأنه خلص نفسه وصفاها لله تعالى من دنس الآثام، كالسبيكة المخلصة من الخبث .. وفي لسان العرب سؤال: ما هو الناسك؟ قال: هو مأخوذ من النسيكة وهو سبيكة الفضة المصفاة كأنه خلص نفسه وصفاها لله عز وجل.

(1) [صحيح] أخرجه البخاري في (الأحكام / بـ ما يكره من الحرص على الإمارة / 7148) من حديث أبي هريرة

(2) [متفق عليه] أخرجه البخاري في (اليمان والنذور / بـ قول الله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو / ح 6622) ، ومسلم في (الأيمان / بـ ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خير منها / ح 1652) من حديث عبد الرحمن بن سمرة.

(3) [صحيح] أخرجه مسلم في (الإيمان / بـ تحريم الكبر وبيانه / ح 91) من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت