ثالثًا: الديمقراطية هي الوجه الآخر للديكتاتورية
لقد كان حديثنا في الصفحات الماضية منصبًا على بيان الحكم الشرعي في قضية الديمقراطية، ومعنى ذلك أن الحديث كان موجهًا في الأساس إلى أولئك الذين ينطلقون معنا من خلفية الاحتكام إلى نصوص الشرع الحنيف واعتبار الكتاب والسنة هما المرجعية العليا التي يُرجع إليها عند الخلاف، ونود في السطور التالية أن نخاطب عقول الآخرين الذين يرون في احتكامنا إلى الشرع ونصوصه نوعًا من التخلف والرجعية، وبعبارة أخرى فإننا نريد أن نهدم خرافة أن الديمقراطية هي خير نظام عرفه العالم، وأنه النظام الذي يكفل للشعب أن يحكم نفسه عن طريق اختيار ممثليه باعتبار أن من اختارته الأغلبية فهو الممثل لإرادة الشعب ويكون له بناء على ذلك التعبير عن إرادة ذلك الشعب.
وأنا أزعم هنا أنه طبقًا لنظام الانتخابات، الذي هو آلية تنفيذ الديمقراطية، فإن هؤلاء الذين يُنتخبون لا يمثلون الأغلبية الشعبية، بل يمثلون الأقلية؛ وإليك البيان:
أولًا: من المعلوم أنه ليس كل الأفراد يكون لهم الحق في أن يسجلوا أسماءهم في جداول الناخبين، فكل الدول تشترط شروطًا معينة في من يكون له ذلك الحق، من أهمها اشتراط سن معينة لابد أن يبلغها الشخص حتى يحق له ذلك، وفي الديمقراطيات الغربية تتراوح نسبة من لهم الحق في تسجيل أسمائهم ما بين 60%، 70% من مجموع السكان.
ثانيًا: ليس كل من له ذلك الحق يمارسه فعلًا؛ فكثير من الناس يعزفون عن السياسة برمتها فلا يهتمون بممارسة حقهم الدستوري في تسجيل أسمائهم في سجلات الناخبين، وفي فرنسا على سبيل المثال فإن عدد أولئك العازفين عن التسجيل ممن لهم الحق فيه يبلغ حاليًا حوالي مليونين من الأشخاص، وأما في الولايات المتحدة الأمريكية فإن من لهم حق الاقتراع أي المسجلين في جداول الانتخابات كانوا 54% من مجموع السكان في عام 1980م، ثم تناقصت تلك النسبة إلى 53% في عام 1984م، ثم إلى 52.1 في عام 1985م.
ثالثًا: ثم إنه ليس كل من سجل اسمه في دفاتر الناخبين يقوم فعلًا بالإدلاء بصوته في الانتخابات، وقد ازدادت في السنوات الأخيرة نسبة المتغيبين عن الانتخابات في البلاد الغربية بصورة لافتة للنظر.
ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال وصلت نسبة المتغيبين عن الانتخابات الرئاسية عام 1996 إلى 51% من مجموع الناخبين المسجلين (34) ، وفي بريطانيا كانت نسبة المتغيبين عن انتخابات مجلس العموم عام 1992 هي 23%، وفي فرنسا كانت نسبة المتغيبين عن انتخابات رئاسة الجمهورية عام 1995 هي 20%، بينما بلغت هذه النسبة في الانتخابات التشريعية عام 1993 نحو 20% بينما بلغت 29% في الانتخابات التشريعية عام 1997م.
رابعًا: ليس كل من حضر وأدلى بصوته يكون صوته معتبرًا؛ وذلك بسبب نسبة الأصوات الباطلة التي قد يكون سببها خطأ من الناخب، ولكن أكثرية تلك الأصوات الباطلة في أوربا وأمريكا تكون متعمدة، أي أن الناخب يلجأ إلى إبطال صوته لأسباب عدة، منها استياؤه من جميع المرشحين وعدم رضاه عن أي منهم.
وفي الانتخابات التشريعية الفرنسية عام 1993 بلغ عدد الأصوات الباطلة نحو مليون ونصف المليون من الأصوات.
وعليه فإن الحاصل على أغلبية الأصوات ليس في الحقيقة حائزًا على الأغلبية الشعبية؛ لأنه إنما حصل على أغلبية الأصوات الصحيحة من إجمالي أصوات الحاضرين، والحاضرون ليسوا هم كل من له حق الانتخاب، والذين لهم حق الانتخاب ليسوا هم كل من له حق تسجيل اسمه في كشوف الناخبين، والذين لهم حق التسجيل ليسوا هم كل أبناء الشعب.