الصفحة 27 من 79

أولًا: الحاكمية من الناحية اللغوية

أول ما يلفت النظر في مصطلح الحاكمية أنه من الناحية اللغوية مصدر صناعي من حاكم، كما أن جاهلية مصدر صناعي من جاهل، وعالمية مصدر صتاعي من عالم، لكن صيغة حاكمية صيغة محدثة لم تعهد في الاستعمال العربي القديم، الأمر الذي حدا بالبعض إلى أن يقرر أن المودودي حين صاغ مصطلح الحاكمية لم يلتزم الأصول العربية الصحيحة، وربما يُستشهد لذلك بأن لفظة حاكمية لم ترد تحت مادة (حكم) في المعاجم العربية المعتمدة.

بيد أنه يضعف من هذا القول أن صيغة المصدر الصناعي صيغة قياسية وليست سماعية، كما هو مقرر عند أهل النحو والصرف، أي أنه لا يلزم لصحة الكلمة لغويًا أن تكون قد سمعت من العرب مادامت موافقة لقياس المصدر الصناعي، ولذلك عمم مجمع اللغة العربية بالقاهرة الحكم فقرر في دور انعقاده الأول أنه: (( إذا أريد صنع مصدر صناعي من كلمة فإنه يزاد عليها ياء النسب والتاء ) ) (1) .

وقد قال أبو بكر الأنباري في لمع الأدلة: (( اعلم أن إنكار القياس في النحو لا يتحقق لأن النحو كله قياس ) ) (2) .

وعقد ابن جِنًي في كتابه الخصائص بابًا في أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب، ومما ذكره فيه قول أبي عثمان المازني: (( ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب؛ ألا ترى أنك لم تسمع أنت ولا غيرك اسم كل فاعل ولا مفعول، وإنما سمعت البعض فقست عليه غيره ) ) (3) .

كما نقل - أي ابن جني - عن شيخه أبي علي الفارسي أنه قال: (( لو شاء شاعر أو ساجع أو متسع أن يبني بإلحاق اللام اسمًا وفعلًا وصفة لجاز له ولكان ذلك من كلام العرب وذلك نحو قولك: خَرْجَجٌ أكرم من دخْلَلٍ، وضربب زيد عمرًا، ومررت برجل ضربب وكرمم ونحو ذلك.

قال ابن جني: فقلت له: أفترتجل اللغة ارتجالًا؟ قال: ليس بارتجال، لكنه مقيس على كلام العرب فهو إذن من كلامهم )) (4) .

وقال أبو منصور الجواليقي في شرحه على أدب الكاتب لابن قتيبة: (( قولهم يدي من ذلك فَعِلَة: المسموع منهم في ذلك ألفاظ قليلة وقد قاس قوم من أهل اللغة على ذلك فقالوا: يدي من الإهالة سنِخَة ومن البيض زهِمَة ومن التراب ترِبَة ... ) ) (5) إلخ ما ذكره وهو يزيد على الثلاثين قياسًا، ولذا قال الأديب مصطفى صادق الرافعي تعليقًا على كلام الجواليقي: (( فالمسموع من هذه الألفاظ عن العرب لا يتجاوز سبعًا فيما نرى والباقي كله أجراه علماء اللغة وأهل الأدب على القياس، فأبدع القياس منها أربعًا وثلاثين كلمة ... ) ) (6) .

وبهذا الذي نقلناه يتضح أنه لا ضير في استعمال مصطلح الحاكمية لأنه مقيس على كلام العرب فهو إذن من كلامهم.

(1) النحو الوافي لعباس حسن (3/ 187) .

(2) نقلًا عن المصدر السابق (3/ 190) .

(3) الخصائص (1/ 357) .

(4) المصدر السابق (1/ 358 - 359) .

(5) شرح أدب الكاتب ص: 170.

(6) مقدمة الرافعي لشرح الجواليقي ص: 12، ووحي القلم (3/ 254) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت