ثانيًا: الحاكمية في الاصطلاح الشرعي
من الناحية الشرعية يلاحظ أن كلمة حاكمية لم ترد في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك فقد اعترض البعض على هذا المصطلح باعتبار أن أصحابه يستعملونه في موضوعات مهمة تمس العقيدة الإسلامية، ولا يسوغ في مثل هذه الموضوعات الخطيرة أن نعتمد على مصطلح لا أصل له في الكتاب والسنة.
والحق أن تاريخ المسلمين العلمي قد شهد تولد مصطلحات كثيرة لم تكن مألوفة من قبل، وكان منهج علماء المسلمين في ذلك هو النظر في مضمون تلك المصطلحات وما يقصد بها، فإن قصد بها معنى صحيح قُبلت وإلا رُدت كما قال ابن أبي العز في مقدمة شرح الطحاوية: (( والسلف لم يكرهوا التكلم بالجوهر والجسم والعرض ونحو ذلك لمجرد كونه اصطلاحًا جديدًا على معان صحيحة كالاصطلاح على ألفاظ لعلومٍ صحيحة ... بل كرهوه لاشتماله على أمور كاذبة مخالفة للحق ومن ذلك مخالفتها للكتاب والسنة ) ) (7) .
فهذا هو المقياس الذي تقاس به صحة الاصطلاحات الحادثة، ولذا نجد كلمة مثل كلمة (زنديق) لم ترد في الكتاب والسنة بل إنها ليست عربية الأصل فهي فارسية عربت كما في صحاح الجوهري وقد ذكر ابن حجر في الفتح: أن أصل هذه الكلمة بالفارسية (زنده كرداي) أي من يقول بدوام الدهر، ثم بين أن هذا اللفظ استعمل في الإسلام بمعنى المنافق حتى قال مالك رحمه الله: الزندقة ما كان عليه المنافقون، ونقل مثل ذلك عن جماعة من الشافعية وغيرهم (8) .
فهاهم علماء السلف قد استعملوا لفظة فارسية الأصل في موضوع لا يقل خطورة عن موضوع الحاكمية فهو أيضًا يخص أمر العقيدة ويترتب على الحكم بزندقة إنسان أن يقتل، بل قال كثير من أهل العلم إنه يقتل وإن أظهر التوبة، أي لا تقبل توبته (9) .
وأيضًا فقد بين الإمام ابن القيم في (بدائع الفوائد) أنه وإن كانت أسماء الله وصفاته توقيفية فإن باب الإخبار عنه سبحانه أوسع من ذلك، ففي حين لا يصح أن نسمي الله باسم أو نصفه بصفة لم ترد في القرآن والسنة فإننا يمكن أن نخبر عنه سبحانه بألفاظ لم ترد إن كانت تحمل معنى صحيحًا، ولذا أجاز ابن القيم رحمه الله أن يطلق على الله تعالى أنه قديم وأنه موجود إذا كان القصد من ذلك الإخبار عنه سبحانه فقط (10) .
وعلى ذلك فمن أخبر عن الله بأنه الحاكم أو أن الحاكمية له وحده لم يكن مجاوزًا حد الصواب إن كان يعني بهذا معنى صحيحًا من الناحية الشرعية، بل إن اصطلاح الحاكمية أولى من لفظة قديم وموجود لأن صفة الحكم ثابتة لله عز وجل في القرآن والسنة واسم الحَكَم ثبت له سبحانه في السنة الصحيحة.
ماذا يقصد بمصطلح الحاكمية؟
فلننظر الآن في المعنى الذي يقصده أصحاب مصطلح الحاكمية لنرى هل هو مقبول شرعًا أم مرفوض؟
إن سيد قطب يحدد لنا في مواضع عدة من الظلال ما يقصده باصطلاح الحاكمية ولنختر من هذه المواضع تفسيره لقول الله تعالى: {إن الحكم إلا لله} سورة يوسف: 40، حيث يقول: (( الحاكمية من خصائص الألوهية، من ادعى الحق فيها فقد نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته ... وادعاء هذا الحق لا يكون بصورة واحدة ... فليس من الضروري أن يقول {ما علمت لكم من إله غيري} أو يقول {أنا ربكم الأعلى} ... ولكن يدعي هذا الحق وينازع الله فيه بمجرد أن ينحي شريعة الله عن الحاكمية ويستمد القوانين من مصدر آخر، وبمجرد أن يقرر أن الجهة التي تملك الحاكمية أي التي تكون هي مصدر السلطات جهة أخرى غير الله سبحانه ... ) ) (11) .