ومن هذا النقل يتضح أن الحاكمية لا تعني عند سيد قطب إلا التشريع، فالتشريع حق خالص لله عز وجل وبتعبير آخر فإن الذي يملك أن يقول هذا حرام وهذا حلال هو الله وحده، ولذا يقول سيد قطب في تفسير قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم ... } (سورة النساء:23)
(( إن هذا الدين يقرر أن التحليل والتحريم هو من شأن الله وحده لأنهما من أخص خصائص الألوهية ) ) (12) .
وحين ننظر في كتاب الله عز وجل، ثم كتب المفسرين القدامى والمحدثين فسوف نجد أن المودودي وسيد قطب لم يأتيا ببدع من القول حين قالا بأن الحاكمية أي التشريع لله وحده:
فالله عز وجل يقول: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون} (المائدة:50) ، ويقول الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: (( ينكر تعالى على من خرج على حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله ... كما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم(الياسا) وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فمن فعله منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير )) (13) .
بل إن ابن كثير رحمه الله قد نقل الإجماع على كفر من احتكم إلى غير شرع الله فقد نقل في (البداية والنهاية) نتفًا من ذلك الكتاب الذي وضعه جنكيز خان وما فيه من الأحكام المخالفة لشرع الله، ثم قال: (( فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين ) ) (14) .
ويعقب الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في كتابه عمدة التفسير على كلام ابن كثير الأسبق فيقول: (( إن الأمر في هذه القوانين الوضيعة واضح وضوح الشمس هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب إلى الإسلام كائنًا من كان في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها ) ) (15) .
وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا} (النساء:65) .
فقد نفى الله الإيمان عمَن لم يحكِّم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكَّم غيره.
يقول الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله: (( وقد نفى الله سبحانه الإيمان عمَّن لم يحكموا النبي صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم نفيًا مؤكدًا بتكرار أداة النفي وبالقسم، قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ... } ... ) ) (16) .
ويقول الشيخ رشيد رضا: (( ومن المسائل المجمع عليها قولًا واعتقادًا: أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وإنما الطاعة في المعروف، وأن الخروج على الحاكم المسلم إذا ارتد عن الإسلام واجب، وأن إباحة المجمع على تحريمه كالزنا والسُكر واستباحة إبطال الحدود وشرع ما لم يأذن به الله كفر وردة ) ) (17) .
فأي فارق بين ما ذكره سيد قطب وبين ما نقلنا عن ابن كثير وغيره من العلماء؟ في الحقيقة لا نجد فارقًا؛ فالقضية مجمع عليها كما ذكر ابن كثير ورشيد رضا، وقد أكثرت هنا من النقل عن العلماء وما ذلك إلا لأمرين:
الأمر الأول أن أبين أنها قضية عقيدة، قضية كفر وإيمان، وبالتالي فلا يلام المودودي وسيد قطب على إبرازها والتركيز عليها.