ولا شك أنه قد جاء في أقوال سيد قطب ما فهم منه البعض غلوًا في قضايا التكفير، غير أن مثل تلك الأقوال إما أنها فهمت على غير ما أراده صاحبها، أو أنها قد خرجت مخرج التغليظ الذي يقصد به بيان خطورة الأمر مع عدم إرادة حقيقة اللفظ الذي أطلق، ويفهم ذلك من سياق الكلام وقرائنه، وهو أمر معهود عند السلف؛ وقد قال الإمام الشافعي لحفص الفرد لما قال بخلق القرآن: (( كفرت بالله العظيم ) )، لكن لما كانت الحجة لم تتبين له، فإن الشافعي رحمه الله لم يكن يقصد الحكم بردته وإنما كان يقصد التغليظ والتخويف؛ إذ أنه لو كان يعتقد ردته لسعى في قتله كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (33) ، كما أنه لابد من الإشارة إلى أنه قد وقع في أقوال سيد ما غلبت عليه الصياغة البلاغية بحيث افتقر إلى الدقة اللفظية التي يجب أن تتحلى بها أبحاث العقيدة خصوصًا في مجال الكفر والإيمان.
وإذا كان من يطلق تسمية المجتمع الجاهلي على المجتمعات التي لا تحتكم إلى غير شرع الله لا يرتب على ذلك محظورًا شرعيًا من مثل تكفير المسلمين، أو القول بأن الأصل في الناس الكفر حتى يثبت العكس، أو نحو ذلك فإن تسميته هذه لا تعدو أن تكون أمرًا اصطلاحيًا قد لا نستحسن إطلاقه لما قد يحدث من جرائه من لبس، ولكنه في النهاية مجرد اصطلاح لا تصح المشاحة فيه، والله أعلم.
وبعد ...
فما المودودي وسيد قطب وغيرهما إلا بشر يخطئون ويصيبون، وكل إنسان يؤخذ من قوله ويرد إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم كما قال الإمام مالك رحمه الله، ولكنها كلمة حق - في قضية بعينها - كان ينبغي أن تقال، ونسأل الله أن نكون قد وفقنا فيها إلى الصواب والله المستعان.
(30) الظلال (2/ 891) .
(31) المصدر السابق (3/ 1558 - 1559) .
(32) من رسالة وجهها الأستاذ محمد قطب إلى مجلة المجتمع، نقلًا عن كتاب الحكم وقضية تكفير المسلم لسالم البهنساوي ص: 173.
(33) انظر مجموع الفتاوى (23/ 349) .