رابعًا: حكم الجاهلية
لقد ارتبط بموضوع الحاكمية القول بجاهلية المجتمعات التي لا تحتكم إلى شرع الله، تشبيهًا لها بحال الناس قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.
ولا شك أنه إن كان المقصود بهذا القول إعطاء المجتمعات الإسلامية الآن كل أحكام مجتمع الجاهلية الأولى فهذا غلو مرفوض، ولقد رأينا من الغلاة من ينهج ذلك النهج فيحكم على عامة الناس في بلاد المسلمين بالكفر، أو أن يعتبر المساجد كلها مساجد ضرار ومعابد للجاهلية، ولكن هذا التيار المغالي قد شهد بحمد الله انحسارًا كبيرًا في غالبية بلاد المسلمين وخصوصًا في مصر.
أما إن كان المقصود بيان ما وقعت فيه الأمة من الأمور الجسيمة التي تشبه في بعض جوانبها فعل الجاهلية، فلاشك أن الأمر حينئذ يحتاج إلى وقفة متأنية، ذلك أنه ينبغي أن نعرف ما المقصود تحديدًا من إطلاق هذا المصطلح حتى يتسنى لنا الحكم عليه.
وحين نرجع - على سبيل المثال - إلى كتابات سيد قطب في موضوع الجاهلية نجد أنه لم يكن يهدف من إطلاق هذا القول الحكم على عامة الناس بالكفر، أو أنهم قد ارتدوا جميعًا إلى ما كان عليه الحال في الجاهلية الأولى، وإنما كان يقصد أن هذه المجتمعات صارت تحتكم إلى غير شرع الله فهي إذن في جاهلية لأن الجاهلية عنده هي الحالة التي يكون فيها الناس متحاكمين إلى غير منهج الله، ولذلك نجده يقول: (( والجاهلية ليست فترة تاريخية إنما هي حالة توجد كلما وجدت مقوماتها في وضع أو نظام، وهي في صميمها الرجوع بالحكم والتشريع إلى أهواء البشر، لا إلى منهج الله وشريعته للحياة، ويستوي أن تكون هذه الأهواء أهواء فرد، أو أهواء طبقة، أو أهواء أمة، أو أهواء جيل كامل من الناس ) ) (30) .
ومما يبين ذلك أنه في تفسير قوله تعالى: {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من وَلايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق} (الأنفال: 72) ، يقول: (( ثم وجد أفراد آخرون دخلوا في هذا الدين عقيدة، ولكنهم لم يلتحقوا بالمجتمع المسلم فعلًا، لم يهاجروا إلى دار الإسلام ... فهؤلاء الأفراد ليسوا أعضاء في المجتمع المسلم ومن ثم لا تكون بينهم وبينه ولاية ولكن هناك رابطة العقيدة ... ) ) (31) إلخ.
والمقصود أنه حين يبين أن هؤلاء الأفراد ليسوا أعضاء في المجتمع المسلم، فإنما يقرر أنهم لا يزالون يعيشون في ظل المجتمع الجاهلي - وذلك حسب تقسيمه المعروف للمجتمعات بأنها إما مجتمعات إسلامية وإما مجتمعات جاهلية - ومع ذلك فهم عنده مسلمون، أي أنه ليس هناك تلازم عنده بين الحكم على مجتمع ما بأنه جاهلي وبين الحكم على أفراده بالكفر.
كما أن الأستاذ محمد قطب وهو ولا شك أقرب الناس إلى شقيقه قد بين أنه لم يكن يقصد بما كتب إطلاق الحكم على الناس وذكر أنه سمعه أكثر من مرة يقول: (( إن الحكم على الناس يستلزم وجود قرينة قاطعة لا تقبل الشك، وهذا أمر ليس في أيدينا، ولذلك فنحن لا نتعرض لقضية الحكم على الناس فضلًا عن كوننا دعوة ولسنا دولة، دعوة مهمتها الحقائق للناس لا إصدار الأحكام عليها ) ) (32) .