وإذا كان هناك من أفرط فشدد وتنطع في الدين فإن هناك من فرط وتساهل حيث لا مجال للتساهل، فربما أوقعه ذلك في ما لا يجوز شرعًا.
ومن أخطاء الناس في فهم هذه القضية ما يلي:
1)اعتبار التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور العادات نوعًا من التشدد:
وذلك أننا نجد أقوامًا - ومنهم للأسف بعض الدعاة - يزهدون الناس في اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في مأكله ومشربه وملبسه وأشباه ذلك، بدعوى أن ذلك نوع من التشدد والتعنت.
والحق أن التزيد والتشدد الذي ورد النهي عنه هو التزام أمور لم ترد في الشرع الحنيف، ولا دلت عليها نصوصه، فهي إذن من قبيل البدع المذمومة، وضابط ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (7) ،
والاقتداء به صلى الله عليه وسلم في أموره العادية لا يخرج عن (أمرنا) الذي أشار إليه الحديث الشريف، فهو مطلوب إذن إن لم يكن على سبيل الوجوب والفرضية فهو على جهة الاستحباب الذي يثاب المرء عليه إذا ما أخلص نيته لله سبحانه.
وقد كان من هدي سلفنا الصالح التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أموره العادية، فقد روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن خياطًا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه، قال أنس: فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يتتبع الدباء من حوالي القصعة قال: فلم أزل أحب الدباء من يومئذ) (8) .
قال الحافظ في شرح هذا الحديث: (( وفيه الحرص على التشبه بأهل الخير والاقتداء بهم في المطاعم وغيرها، وفيه فضيلة ظاهرة لأنس لاقتفاءه أثر النبي حتى في الأشياء الجبلية، وكان يأخذ نفسه باتباعه فيها رضي الله عنه ) ) (9) .
وعلى ذلك فإنه لا يجوز الإنكار على من أخذ نفسه بالتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور الجبلة، إلا أن يكون ذلك الأمر شاغلًا له عن غيره من عظائم الأمور، كمهمات العقيدة والواجبات العينية ونحو ذلك، فينكر عليه حينئذ تركه لتلك المهمات لا التأسي المذكور والله أعلم.
2)اعتبار الزيادة في النوافل نوعًا من التشدد:
فهناك من المسلمين من يهتم أكثر من غيره بأمور النوافل والمندوبات، فيكثر من قيام الليل وصيام النوافل، ويكثر من ذكر الله وقراءة القرآن الكريم، فربما اعتبر البعض ذلك نوعًا من التشدد المنافي ليسر الإسلام وشريعته السمحة.
وأقول: إن الزيادة في أنواع الطاعات والعبادات ما دامت لا تخرج عن الحد المشروع فإنه لا يمكن اعتبارها تشددًا، ولذلك ذكر في الفتح في شرح حديث (إن الدين يسر) : (( وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال والمبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلى أن طلعت الشمس فخرج وقت الفريضة ) ) (10) .