ويمكن أن يضاف إلى ذلك ما إذا كانت المبالغة في التطوع مؤدية إلتضييع حقوق أخرى واجبة على المكلف، ومثال ذلك ما جاء في حديث أبي جحيفة قال: (آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقال لها ما شأنك؟ قالت أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا فقال له: كل. قال فإني صائم. قال: ما أنا بآكل حتى تأكل. قال: فأكل. فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم. فنام، ثم ذهب يقوم فقال: نم، فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: صدق سلمان) (11) .
أما إذا لم يكن في الأمر شيء من تلك المحاذير فإنه لا يعد تشددًا، خصوصًا إذا كان الشخص لديه الاستعداد النفسي والبدني المؤهِل لذلك، ومن أجل هذا ذكر الإمام الشاطبي صنفًا من الناس يمكنه تحمل المشقة الشديدة وأن من شأنه (( أن لا يدخل عليه ذلك الملل ولا الكسل لوازع هو أشد من المشقة أو حادٍ يسهل به الصعب ) ) (12) ، وذكر في ذلك قيامه صلى الله عليه وسلم الليل حتى تفطرت قدماه وقوله لما سئل عن ذلك (أفلا أكون عبدًا شكورًا) (13) ، كما ذكر أحوال بعض السلف في الزيادة من الطاعات ثم قال (( ولم يكونوا بذلك مخالفين للسنة بل كانوا معدودين في السابقين، جعلنا الله منهم؛ وذلك لأن العلة التي لأجلها نهي عن العمل الشاق مفقودة في حقهم، فلم ينتهض النهي في حقهم ) ) (14) .
3)الترخص في الأحكام الشرعية بحجة التيسير:
وذلك أنه تحت دعوى التيسير ورفع الحرج نجد البعض يتساهلون في كثير من الأحكام حتى يوقعهم ذلك في المحظورات الشرعية، وهم يحتجون بأن الشرع لم يكلفنا بما يشق علينا وأن الرسول صلى الله عليه وسلم (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما) (15) كما قالت عائشة رضي الله عنها.
ونحن نود قبل ذكر بعض الأمثلة على هذا الترخص أن نُذكر ببعض النقاط المهمة التي تعين في فهم هذه القضية والتي نرى أنه ينبغي أن لا يكون عليها خلاف:
أولًا: ليس معنى أن شريعة الإسلام هي شريعة اليسر أنها لا تكلف بما فيه مشقة؛ فإن المشقة على ضربين: فالنوع الأول منها هو المشقة المعتادة التي يستطيع الإنسان تحملها دون إلحاق ضرر بليغ به، وهذا النوع لا ينافي صحة التكليف، والتكاليف الشرعية لا تنفك عن الكلفة والمشقة التي من هذا النوع.
أما النوع الثاني فهو المشقة الغير المعتادة التي لا يستطيع الإنسان تحملها دون إلحاق الضرر والأذى به، وهذا النوع هو الذي ينافي صحة التكليف.
وضابط ذلك ما ذكره الشاطبي من أنه: (( إن كان العمل يؤدي الدوام عليه إلى الانقطاع عنه، أو عن بعضه، وإلى وقوع خلل في صاحبه: في نفسه أو ماله، أو حال من أحواله، فالمشقة هنا خارجة عن المعتاد، وإن لم يكن فيها شيء من ذلك في الغالب فلا يعد في العادة مشقة وإن سميت كلفة؛ فأحوال الإنسان كلها كلفة في هذه الدار ) ) (16) .