ثانيًا: إن علماء الأصول حين بينوا أن الشريعة لا تكلف بما لا يطاق، ولا تكلف بما فيه مشقة غير معتادة، فإنهم جعلوا ذلك من شروط صحة التكليف، أي أنه أمر ينصرف إلى أصل التشريع لا إلى الفتوى والحكم الشرعي، وعلى ذلك فمهمة المفتي أن يوجه نظره أولًا إلى النصوص الشرعية فما قضت بحرمته فهو حرام وإن بدا للناظر أنه شاق أو كرهته النفوس واستصعبته؛ فإن الله قد فرض علينا الجهاد وهو يعلم ما فيه من مشقة على النفوس كما قال تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم} (البقرة: 216) .
ثالثًا: إن قول عائشة رضي الله عنها (ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما) ، هذا القول متوجه إلى المباحات؛ فما كان من أمرين مباحين وخير رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما إلا واختار أيسرهما، فأما إن كان الأيسر حرامًا فإنه لم يكن ليختاره أبدًا؛ ولذا قالت عائشة في تتمة الحديث السابق (ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه) .
رابعًا: إنه وبناء على ما سبق فإنه بورود النص بحرمة شيء فإن المشقة التي يظنها البعض مانعة من التحريم هي مشقة متوهمة، وإن ما يظنه البعض يسرًا وسماحة ليس في الحقيقة إلا ترخصًا لا مبرر له.
مثالان للترخص بلا دليل:
وإني أضرب هنا مثالين من واقعنا المعاصر فبالمثال يتضح المقال:
أما المثال الأول: فهو أن بعضًا من المسلمين تعودوا أن يشاركوا غير المسلمين احتفالهم بأعيادهم، فتراهم يذهبون إليهم مهنئين مباركين، بل قد يشاركونهم طقوسهم وعاداتهم ويزعمون أن هذا من باب يسر الإسلام وسماحته، وأن من ينكر عليهم ذلك متشدد متزمت.
وأما المثال الثاني: فهو أن البعض يقول بحل الفوائد الربوية التي تتعامل بها البنوك، وهي نسبة محددة سلفًا من رأس المال، فإذا سألته عن دليله في ذلك قال: إن التعامل مع البنوك صار من ضروريات الحياة، وعليه فنحن نبيح ذلك تيسيرًا على الناس ورفعًا للحرج عنهم.
مناقشة المثالين السابقين:
في مناقشتنا للمثال الأول الخاص بمشاركة غير المسلمين في أعيادهم نركز على بيان الحكم الشرعي في ذلك؛ إذ أننا نرى أن الوقوع في هذا الخطأ إنما نشأ من الجهل بالنصوص الشرعية الواردة في هذا الأمر فنقول وبالله التوفيق:
قد ورد في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا) (17) ، وهذا يقتضي بمفهومه أنه ليس للمسلمين - وقد جعل الله لهم عيدًا خاصًا بهم - أن يشاركوا غيرهم في أعيادهم.
وعن أنس رضي الله عنه: (قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر) (18) .
قال ابن حجر بعد ما ذكر هذا الحديث: (( واستنبط منه كراهة الفرح في أعياد المشركين والتشبه بهم ) ) (19) .
وقال الإمام ابن القيم: (( وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة بهم فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه ) ) (20) .
بل بالغ بعض الحنفية فقال على ما نقله الحافظ في الفتح: (( من أهدى فيه بيضة إلى مشرك تعظيمًا لليوم فقد كفر بالله تعالى ) ) (21) .