وبهذا يتضح الحكم الشرعي في هذه المسألة، وعليه فلا يصح الادعاء بأن في هذا الفعل نوعًا من إظهار يسر الإسلام وسماحة شريعته، وموقف الإسلام من غير المسلمين في المجتمع الإسلامي قائم على العدل؛ فلا يجوز ظلمهم ولا إيذاؤهم ما داموا ملتزمين بحكم الإسلام فيهم، وهذا العدل شيء وما يراد من التودد إليهم والذهاب إلى كنائسهم لتهنئتهم بأعيادهم الشركية شيء آخر لا يقره الإسلام ولا علاقة له بكونه دين اليسر ورفع الحرج والله أعلم.
مناقشة المثال الثاني:
أما المثال الثاني فليس من غرضنا في مناقشته أن نستقصي شبهات القائلين بحل الفوائد الربوية البنكية، ولا الرد عليها، فقد أجمعت المجامع الفقهية على حرمة تلك الفوائد، ولكنا نريد أن نتناول الموضوع من الزاوية التي أشرنا إليها وهي قولهم إن ضروريات الحياة المعاصرة تستدعى مثل تلك المعاملات التي تتضمن هذه الفوائد الربوية، وعليه فإنه يكون من يسر الإسلام أن نبيح تلك التعاملات، ويمكن أن نفصل القول في هذه القضية على النحو التالي:
1)إن إعمال قاعدة الضرورة إنما يكون في حالات فردية خاصة ولا يتصور أن يقوم نظام كامل على ما حرمه الله من الربا بدعوى أن الضرورة تستدعي ذلك، فإن في ذلك اتهامًا للشريعة الغراء بأنها حرمت على الناس شيئًا هو من ضروريات حياتهم، وإن (( هناك استحالة اعتقادية في أن يحرم الله أمرًا لا تقوم الحياة البشرية ولا تتقدم بدونه، كما أن هناك استحالة اعتقادية كذلك في أن يكون هناك أمر خبيث ويكون في الوقت ذاته حتميًا لقيام الحياة وتقدمها ) ) (22) .
2)إن إعمال قاعدة الضرورة في الحالات الفردية التي أشرنا إليها يقتضي أنه يجوز للفرد أن يقترض بالربا ليسد جوعه أو عريه أو ما شابه ذلك، لكن لا ضرورة تبيح له أن يقرض غيره بالربا؛ وإن وضع الشخص نقوده في البنك هو نوع من القرض كما ذكر أهل الفقه بل وأهل القانون أيضا.
3)ما هو حد الضرورة التي تبيح للإنسان أن يقترض بالربا؟
جاء في الحديث عن أبي واقد الليثي قال: (قلت يا رسول الله: إنا بأرض تصيبنا بها مخمصة، فما يحل لنا من الميتة؟ قال: إذا لم تصطبحوا ولم تغتبقوا ولم تحتفؤوا بقلًا فشأنكم بها) (23) .
وقوله: (تحتفئوا بقلًا) أي تقتلعوه من منبته، والمقصود أن الضرورة التي تبيح أكل الميتة هي أن لا يجد شيئًا يأكله في الصباح ولا في المساء، وأن لا يجد حتى بقلة يقتلعها فيأكلها، فهذا هو حد الضرورة التي تبيح أكل الميتة، ومعلوم أن الربا أعظم حرمة من أكل الميتة، فهل الحاجة إلى التعامل بالربا - كما يقول الشيخ محمد أبو زهرة - من هذا الصنف حتى نستحل ما حرمه الله (24) ، ثم يضيف - رحمه الله - (( ... قد يكون المقترض في حالة قريبة من هذا، ولكن المقرض لا يمكن أن يكون في مثل هذه الحال، قد يحتاج إنسان إلى الاقتراض لأجل قوته الضروري، ولكن لا يمكن أن يكون المقرض في مثل هذه الحال ) ) (25) .
4)إن ادعاءهم بأن النظام الربوي لا بد منه لقيام المجتمعات واستمرارها هو ادعاء يكذبه التاريخ والواقع، فقد استقامت حياة المسلمين طوال القرون الماضية بغير بنوك ولا فوائد، ربوية وقامت دول في العصور الحديثة وعاشت طويلًا بلا بنوك ولا فوائد.