الصفحة 5 من 79

أولًا: الموقف الشرعي من الديمقراطية

حينما سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن التتار بيَّن أن الحكم عليهم مبنى على أصلين: أحدهما المعرفة بحالهم، والثاني معرفة حكم الله في أمثالهم (1) .

والواقع أن هذا المسلك الذي سلكه شيخ الإسلام هو المسلك الواجب الاتباع في كل حالة يراد معرفة حكم الشرع فيها، ولذلك نقول في القضية التي نحن بصددها: لابد من التعرف على الديمقراطية نظرية وتطبيقًا ثم بناء على ذلك نستطيع معرفة حكم الله فيها من خلال نصوص الشرع الحنيف:

ما الديمقراطية؟

إن المعروف لكل مبتديء في دراسة الفكر السياسي أن الديمقراطية كلمة مشتقة من لفظتين يونانيتين: ( Demos) وتعني الشعب و ( Kratas) وتعني السلطة فيكون معنى الديمقراطية أنها ذلك النوع من الحكم الذي تكون السلطة فيه للشعب.

وأول من مارس الديمقراطية هم الإغريق وذلك فيما سُمى بحكومة المدينة في مدينتي أثينا وإسبرطة حيث كان كل أفراد الشعب من الرجال يشاركون في كل أمور الحكم من انتخاب الحاكم وإصدار القوانين وغير ذلك، وهذه الصورة الأولية من الديمقراطية هي التي يطلق عليها الديمقراطية المباشرة أي التي يشارك فيها الأفراد بصورة مباشرة في الحكم والتشريع دون الحاجة إلى اختيار من ينوب عنهم في ذلك.

وقد انتهت هذه الصورة من الديمقراطية تقريبًا، وذلك بانتهاء حكومتي المدينة في أثينا وإسبرطة، ولكن ظلت فكرة الديمقراطية محفوظة في ذاكرة التاريخ حتى كان عصر النهضة في أوربا وخاصة بعد الثورة الفرنسية حيث بدأت أوربا تبحث عن بديل لما كانت تعيشه من بطش الملوك وظلم الكنيسة، وكان ذلك البديل هو استخراج الديمقراطية من مخزن التاريخ؛ إذ لم يكن لديهم من الدين الحق ما إليه يحتكمون.

وتم إدخال بعض التعديلات على الصورة الأولية للديمقراطية فصار منها ديمقراطية غير مباشرة تعني أن الشعب يختار نوابًا عنه يمثلونه في الحكم وتشريع القوانين، وصار منها ديمقراطية شبه مباشرة تعني أن يختار الشعب ممثلين ينوبون عنه ويحتفظ مع ذلك لنفسه بممارسة بعض السلطات عن طريق الاستفتاءات العامة ونحوها.

واقتضى ذلك وجود أحزاب سياسية تتنافس فيما بينها على الفوز بأصوات الجماهير للوصول إلى سدة الحكم.

وتم أيضًا إدخال بعض الضمانات والحقوق التي تكفل للأفراد حرياتهم ومن ذلك الحقوق السياسية كحق الفرد في التصويت والترشيح للمجالس النيابية والمناصب العامة وغير ذلك.

غير أن جوهر الديمقراطية بقي كما هو مشتقًا من الأصل اللغوي للكلمة فالشعب هو الذي يسن القوانين والتشريعات إن لم يكن بصورة مباشرة فبصورة غير مباشرة.

والمفترض في ظل الأنظمة الديمقراطية وفق ما يقرره منظورها أن يكون النواب المنتخبون معبرين عن إرادة الشعب ولكن هذا ما لا يحدث في معظم الأحيان أو على حد قول الأستاذ المودودي عن نظام الانتخابات في البلاد الغربية: (( فلا ينجح فيه إلا من يغري الناس ويستولي على عقولهم وألبابهم بماله وعلمه وذكائه ودعايته الكاذبة ... ثم يصبح هؤلاء الناجحون آلهة لهم يشرعون ما يشاءون من القوانين لا لمصالح الجمهور بل لمنافعهم الشخصية ومصالح طبقاتهم المخصوصة التي ينتمون إليها فهذا هو الداء العضال الذي أصيبت به أمريكا وإنجلترا وسائر البلاد التي تدَّعي اليوم أنها جنة الديمقراطية ) ) (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت