ولا شك أن هذا كذب مفضوح؛ لأن البخاري الذي جعله الذهبي ضمن الضعفاء والمتروكين هو شخص آخر غير البخاري صاحب الصحيح، فإن نص كلام الذهبي هو: (( محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري قدم بغداد بعد الخمسمائة وكتب عنه جماعة، قال ابن الجوزي: كذاب، قلت: أما محمد بن إسماعيل الإمام مؤلف الصحيح فثقة، بعد ذا فما سلم من الكلام لأجل مسألة اللفظ تركه لأجلها أبو زرعة وأبو حاتم وهجره الذهلي ) ) (44) ، وفي كتاب المغني يذكر الذهبي نحو كلامه السابق، غير أنه يدافع عن الإمام البخاري بصورة أقوى فيقول: (( فأما أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري مولى الجعفيين فحجة إمام ولا عبرة بترك أبي زرعة وأبي حاتم له من أجل اللفظ لأنه مجتهد في المسألة بل ومصيب ) ) (45) .
ومن افتراءاته على الإمام البخاري أيضًا زعمه أنه كان يقول إن القرآن مخلوق، وهذا كذب صريح؛ فإن غاية ما اتُهم به البخاري أنه كان يقول باللفظ أي يقول: إن لفظي بالقرآن مخلوق، وحتى هذه لم تثبت عنه، فقد حدث محمد ابن نصر المروزي أنه سمع البخاري يقول: (( من زعم أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب ) ) (46) .
وسبب هذا الذي قيل عنه أنه لما قدم نيسابور سُئل في هذه المسألة فقال: (( أفعالنا مخلوقة وألفاظنا من أفعالنا ) )، وهو يقصد بقوله (ألفاظنا) هنا حركة اللسان والشفاه وهذه مخلوقة بلا جدال، لكن الناس شغبوا عليه فقالوا إنه يقول لفظي بالقرآن مخلوق (47) ، ومن هاهنا حذر محمد بن يحيى الذهلي من مجالسة البخاري والأخذ عنه، ولا شك أن البخاري بريء من هذه التهمة، وأن الذهلي قد أخطأ في نسبة ذلك إليه، وقد يكون ذلك من نزغ الشيطان بين هذين الإمامين، أو أنه نوع من الغيرة التي قد تقع بين العلماء والتي ينبغي على المسلمين عدم الالتفات إليها، قال الثوري رحمه الله: (( عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، ومن لم يحفظ من أخبارهم إلا ما بدر من بعضهم في بعض على الحسد والهفوات والغضب والشهوات، دون أن يعيي بفضائلهم حرم التوفيق ودخل في الغيبة وحاد عن الطريق ) ) (48) .
ومن أجل ذلك فإنه لما حذر محمد بن يحيى من مجالسة البخاري وانقطع الناس عنه فإن مسلمًا رحمه الله لم ينقطع عنه لعلمه بجلالة البخاري وعدم صحة ما نسب إليه، ثم لما قال الذهلي: ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا أخذ مسلم رداءه فوق عمامته وقام على رؤوس الناس فبعث إلى الذهلي جميع ما كتبه عنه على ظهر جمال، ثم إن مسلمًا رحمه الله قد أنصف - كما يقول ابن حجر - فلم يحدث في كتابه عن هذا ولا ذاك (49) .
3)وكذلك لم يسلم مسلم رحمه الله من قلم ذلك الكاتب؛ فقد اتهمه في دراسته تلك بتلفيق سندٍ لحديث (لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث) ، إذ يقول عن هذا الحديث (( أعلنه الأوزاعي بدون سند وبدون رواة في موقف عصيب ثم ما لبث أن رواه مسلم في صحيحه بعد أن منحه السند والعنعنة ) ).
هذا مع العلم أن مسلمًا لم ينفرد برواية الحديث بل أخرجه أيضًا البخاري وغيره، لكن لما كان الكاتب قد طعن في البخاري على ما سبق بيانه، فإنه أبى إلا أن يبحث عن تهمة يلفقها لمسلمٍ أيضًا حتى تضيع هيبة الصحيحين من نفوس المسلمين ويسهل عليه الطعن في السنة برمتها.