وليس لنا من تعليق على هذا الهراء إلا أن نقول إن هذا الكاتب قد تفوق على رفيق دربه وزميل ضلاله الهالك فرج فودة؛ فقد كان من طريقة فرج فودة في معارضته لحكم الإسلام وشريعته أن ينتقي بعض صفحات التاريخ الإسلامي التي قد يكون وقع فيها شيء من الظلم والطغيان ليعلن أن التاريخ الإسلامي كله على تلك الشاكلة، وأنه لا يُنتظر إذا طبقنا الشريعة إلا أن تعود تلك المظالم مرة أخرى، أما هذا الضال فإنه يعمد إلى الصفحات النقية البيضاء من تاريخ المسلمين ليحاول تشويهها وتلطيخها بما يفتريه على أهل الحق والعدل من الأكاذيب والافتراءات.
4)ثم إن هذا الرجل يستمر في جهالاته فيتقمص شخصية علماء الحديث ليحكم على الإسناد الذي روى به مسلمٌ الحديثَ المذكور فيأتي في ذلك بالعجب العجاب.
فهو مثلا يتكلم عن أبي بكر بن أبي شيبة شيخ مسلم في هذا الحديث فيقول: (( لقد بدأ بأبي بكر بن أبي شيبة واسمه الحقيقي عبد الرحمن بن عبد الملك وقد مات في حدود 220ه، وقال عنه الحاكم ليس بالمتين، وقال عنه أبو بكر بن أبي داود: ضعيف ... ) )إلخ ما ذكره، ولكن هذا المسكين لا يعلم أن كل ما ذكره لا قيمة له؛ لأن هذا الراوي الذي نقل بعض الأقوال في جرحه ليس هو ابن أبي شيبة الذي روى عنه مسلم، فالذي روى عنه مسلم هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الحافظ الثقة الثبت (انظر تهذيب التهذيب 3/ 252) ، وأما هذا الذي تحدث عنه الكاتب فهو عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة، وليس ابن أبي شيبة (انظر تهذيب التهذيب 3/ 390) .
5)كما أن هذا الكاتب قد شنع على عكرمة مولى ابن عباس متهمًا إياه باختراع حديث (من بدل دينه فاقتلوه) ، وقد استغل الكاتب بعض ما قيل في عكرمة من أنه كان يرى رأي الخوارج أو أنه كان يكذب على ابن عباس، والحق أن عكرمة ثقة ولا يلتفت إلى ما قيل فيه، والحق أيضًا أنه يندر أن تجد راويًا لم يُتكلم فيه، ولكن أهل الإنصاف يمحصون ويدققون ولا يقبلون قول كل أحد إلا بدليل، وقد صنف الإمام الذهبي كتابًا بعنوان (معرفة الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد) ، وقد ضمنه أسماء كثير من الرواة المشهورين الذين تكلم فيهم بغير حق، مبينًا عدم صحة ما قيل فيهم، وعد منهم عكرمة حيث ذكره في ص: 147 من هذا الكتاب، وقال عنه: (( صدوق حافظ عالم ) )، وأيضًا فإن كتاب ميزان الاعتدال قد وضعه الذهبي ليشمل كل من تُكلم فيه من الرواة سواء كان هذا الكلام حقًا أو باطلًا (50) .
والمقصود بيان أنه قلَّ من الرواة من سلم من القدح فيه، والعبرة بعد ذلك بما استقر عليه نظر أهل العلم بهذا الشأن الذين محصوا وحققوا وبينوا الصواب من الخطأ، كما قال الإمام الطبري: (( لو كان كل من ادُعي عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادعي عليه به، وسقطت عدالته، وبطلت شهادته بذلك، للزم ترك أكثر محدثي الأمصار؛ لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب عنه ) ) (51) .
ومجمل ما اتهم به عكرمة أنه كان يرى رأي الخوارج وأنه كان يكذب على ابن عباس، وقد بين الحافظ ابن حجر في هدي الساري عدم صحة ذلك عنه ونحن نورد هنا باختصار شيئًا مما ذكره الحافظ هناك.
فأما مسألة قوله برأي الخوارج فقد بين الحافظ عدم ثبوت ذلك عنه وأنه إنما كان يوافق في بعض المسائل فنسبوه إليهم، ونقل تبرئة عكرمة من هذه التهمة عن الإمام أحمد والعجلي وابن جرير الطبري وغيرهم.