وأما رميه بالكذب وخصوصًا على ابن عباس فإن منه ما لم يثبت عمن نقل عنه، وذلك كالذي روي عن ابن عمر أنه قال لنافع: (( لا تكذب عليَّ كما كذب عكرمة على ابن عباس ) )، فإن هذا لا يصح عن ابن عمر لأنه من رواية يحيى البكاء وهو متروك الحديث، ومنه ما قد قصد به الخطأ فإن أهل الحجاز كما يقول ابن حبان: يطلقون كذب في موضع أخطأ، وقد يقصد البعض الإنكار عليه في رواية معينة ولا يقتضي ذلك قدحًا فيه وتركًا لروايته بالكلية، وقد صحح الحافظ إسناد أثرٍ فيه أن عكرمة قال لأبي أمامة بن سهل بن حنيف: أذكرك الله هل سمعت ابن عباس يقول ما حدثكم عني عكرمة فصدقوه فإنه لم يكذب عليَّ، فقال أبو أمامة: نعم، ثم نقل الحافظ توثيق عكرمة عن جم غفير من أئمة الجرح والتعديل، منهم أبو حاتم ويحيى بن معين والنسائي وأحمد بن حنبل والبخاري وإسحاق بن راهويه وغيرهم، ونقل عن ابن منده أنه قد عدل عكرمةَ أمةُ من التابعين منهم زيادة على سبعين رجلًا من خيار التابعين، وقال ابن عبد البر: كان عكرمة من جلة العلماء ولا يقدح فيه كلام من تكلم فيه لأنه لا حجة مع أحد تكلم فيه وقال يحيى بن معين: إذا رأيت إنسانًا يقع في عكرمة فاتهمه على الإسلام (52) .
6)وأخيرًا يأبى ذلك الكاتب إلا أن يثبت جهله بلغة العرب وقواعدها؛ ففي معرض قدحه في حديث (لا يحل دم امريء مسلم ... ) يقول: (( ... وصيغة الحديث ترى فيها الصنعة الأوزاعية التي تتيح للدولة العباسية قتل الثائرين عليها من الرجال، ولكن الأحكام التشريعية الإسلامية يأتي فيها النص على الرجال والنساء معًا كقوله تعالى: {الزانية والزاني} ... أو يأتي لفظ الذين ليشمل الذكر والأنثى كقوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات} ... أما في حديث الأوزاعي الذي ذكره مسلم فهو يتحدث تحديدًا عن الرجل الذي هو امرؤ مسلم يشهد، الثيب الزاني، التارك لدينه المفارق للجماعة، وعليه فإن المرأة لا عقوبة عليها في الأحوال الثلاثة، وبالتالي تصبح العقوبات القرآنية التي تحدثت عن النساء لاغية ) )، ومقصوده الطعن في الحديث لمخالفته للقرآن الكريم حسب فهمه السقيم.
والحق أن لفظ: امريء، وإن كان موضوعًا في أصله للرجل إلا أنه قد يشمل المرأة أيضًا من باب التغليب، وهذا باب معروف عند الملمين بلغة العرب، ومن أوضح الأمثلة على استعماله في حق الرجل والمرأة معًا قوله تعالى: {كل امريء بما كسب رهين} (الطور: 21) ، أي كل إنسان مرتهن بعمله لا يُؤخذ بذنب غيره، ولا يمكن أن يكون هذا الحكم خاصًا بالرجل دون المرأة.
ومن أمثلة ذلك أيضًا قوله تعالى - في شأن الذين خاضوا في حديث الإفك: {لكل امريء منهم ما اكتسب من الإثم} (النور: 11) ، ولا شك أن لفظة امريء هنا قصد بها كل من خاض في الإفك من الرجال والنساء، وقد صح أنه كان من بينهم امرأة هي حمْنة بنت جحش؛ فقد قالت عائشة رضي الله عنها عن زينب بنت جحش: ( ... فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك) (53) .
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ... } (النساء:176) . فالآية الكريمة تبين أن الرجل الذي يورث كلالة أي يموت ولا ولد ولا والد له، ترث أخته نصف التركة، والسؤال الذي نوجهه للكاتب هو: ماذا لو أن امرأة ماتت ليس لها ولد ولا والد ولها أخت واحدة فكم فرض هذه الأخت؟
ولست أدري ماذا سيكون جوابه، ولكني أعلم أن جواب أهل العلم هنا هو أن هذه الأخت فرضها النصف أيضًا كما لو كان الميت رجلًا، لأن لفظ امريء يراد به هنا الرجل والمرأة جميعًا.