فلعله قد استبان من هذه الحقائق التي ذكرناها بطلان ما يدعيه دعاة العصرية، الذين ينهجون نهجًا توفيقيًا يحاولون فيه المواءمة بين حقائق الإسلام وبين ما يفد إلينا من ثقافة الغرب وحضارته، ولعله قد استبان أيضًا عدم صحة ما يبديه بعض الإسلاميين من تنازلات وتساهلات في الأحكام الشرعية بدعوى الحفاظ على مبدأ الوسيطة.
وعلى ذلك فلا يصح أن يجعل البعض من قضية الوسطية سيفًا مسلطًا على كل من خالفه، فيرميه بأنه قد غلا وخالف الوسطية والاعتدال، وقد يكون الحق أن ذاك المتهم بالغلو هو الأقرب إلى الصواب، وأن هذا الذي يدعي الوسطية هو المتساهل المفرِّط.
وإذا كنا قد لا نجد حيلة في إقناع أولئك الذين يريدون أن يُخضعوا الدين لمقتضيات العصر، فإن واجب النصيحة يلزمنا أن ننصح المتساهلين من المنتسبين للعلم والدعوة بأن يراجعوا مواقفهم وأن لا يسمحوا لضغط الواقع المرير الذي تعيشه الأمة بأن يؤثر على الرؤية الشرعية التي يجب أن تحتكم إلى مقتضى الدليل الشرعي، فما قضى الدليل بأنه غلو يخالف الوسطية فهو كذلك وما لا فلا.
وليعلم هؤلاء أن مما يعدونه مخالفة لمبدأ الوسطية ما قد وقع الإجماع على أنه الحق الذي ما بعده إلا الضلال، وأكتفي هنا بذكر مثال واحد يبين صحة ما أقول، وهو ما يتعلق بالموقف من أهل الكتاب في ديار المسلمين:
فإن الشريعة المطهرة قد جاءت بأحكام واضحة في شأن معاملة أهل الكتاب المقيمين في دار الإسلام منها: وجوب إلزامهم بأحكام الإسلام فيهم وعلى رأسها دفع الجزية كما قال تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أُوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} . (التوبة: 29) ، ومنها أنه يجب على المسلمين بغضهم وعدم موالاتهم كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} (المائدة:51) ، وقال: {لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ... } (المجادلة:22) .
لكن هذه الأحكام القطعية صارت عند بعض المنتسبين للعلم والدعوة في بعض بلاد المسلمين غلوًا، وصار القائل بها متطرفًا مخالفًا لوسطية لإسلام تجب البراءة منه إن لم نقل يجب تحريض السلطات عليه، فها هو شيخ الأزهر (الشيخ طنطاوي) يزور كاتدرائية النصارى في القاهرة ليهنيء (الأنبا شنودة) بما يسمونه عيد الفصح ويصرح طبقًا لما أوردته جريد الحياة بتاريخ 24/ 12/1418هـ بأن (( اللقاء مع شنودة وقيادات الكنيسة يعبر عن الإخاء الصادق والمحبة الخالصة لوجه الله ) )، ويقول: (( إننا دائمًا نلتقي حيث لا عداوة ولا بغضاء بين أي مسلم وأي مسيحي في مصر والقيادات الإسلامية والمسيحية متحابة، بل وأصدقاء ) )، أما المفتي (الشيخ نصر فريد) فقد قال في نفس اللقاء: (( إن لقاءنا مع البابا وقيادات الكنيسة هو تجسيد لوحدة هدف المصريين جميعًا ونموذج عملي للعالم كله على تسامح مصر الديني ونبذها بل وتحريمها التعصب والفرقة والانقسام بسبب العقائد ) ).
وكذلك قد اعتادت إحدى الجماعات الإسلامية بمصر أن ترسل إلى الكنيسة وفدًا في كل عيد من أعياد النصارى لتهنئتهم به، وقد أصدرت تلك الجماعة منذ سنوات بيانًا تبين فيه موقفها من الأقباط فكان مما جاء فيه أن الجماعة ترى: (( أن المواطنة أو الجنسية التي تمنحها الدولة لرعاياها حلت محل مفهوم أهل الذمة، وأن هذه المواطنة أساسها المشاركة الكاملة والمساواة التامة في الحقوق والواجبات ... ) ) (13) .