الصفحة 1 من 23

معرفة الكبير المتعال

بالعظمة

والجلال

والجمال

للشيخ

عبد الكريم بن صالح الحميد

فك الله أسره

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين أما بعد:

فإن معرفة الرب سبحانه يتفاوت فيها الخلق تفاوتًا عظيمًا فمنهم من لا يعرفه إلا بإسمه ومنهم من قرُب منه وكلّمه فمعرفته لربه بحسب هذا المقام وما بين هاتين المعرفتين كل بحسبه.

ثم إن المعرفة وحدها لا تنفع إن لم يقارنها العمل إخلاصًا ومتابعة، والمعرفة الخاصة داعية إليه ولذلك يقول سبحانه: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) وهم العلماء به وهبهم ما تميزوا به عن غيرهم من قوة الشعور به فأحبوه وخافوه ورجوه إذ هذه الثلاث تابعة للشعور تقوى بقوته وتضعف بضعفه وتنعدم بعدمه، فإنه لا يُتَصَوَّر محبة إلا بإحساس وشعور بالمحبوب، وكذلك الخوف والرجاء لا يحصل بدون إحساس وشعور ثم من كان بالله أعرف كان منه أخوف ليس على إطلاقه، فقد تكون معرفة بلا مخافة كحال من يضل على علم، لكن هذا يكون في الأغلب يعني مقارنة الخشية للمعرفة والشعور ليس له متعلق بغير موصوف حيث أن ما ليس له صفة فهو عدم والعدم ليس بشيء حتى يُطلب ويراد أو يتصور أو يتعلق به.

ولما كان الأمر كذلك وهو أن الشعور متعلقة موصوف ولا بد فمن هنا ينبعث الطلب وتكون الإرادة والمحبة إن كان الموصوف ملائم وإلا انبعثت النفرة والكراهة إن كان الموصوف بضد ذلك.

ولما كا لله سبحانه المثل الأعلى في السموات والأرض فصفاته تناسب هذا المثل بشيئين.

أحدهما: عدم مشاركة موجود في الكون له بما يُنْعَتُ به ويوصف لعظم الفارق بين المخلوق والخالق.

الثاني: الغاية الكمالية والنهاية الجمالية التي لا يُدرك ساحل بحرها ولا سبيل لبشر إلى بلوغ غَوْرِها وليست هذه مدارجنا إلا التلويح والتلميح، وإنما المراد هنا ذكر ما ينبغي للمسلم أن يذكره ولا ينساه ولا ينشغل به عما سواه من معرفة الجليل التي هي على الحقيقة شفاء قلبه العليل وليس له دول الإيمان به وإرادة وجهه الكريم شفاء علة ولا رواء غله.

ورحم الله امرءًا عرف قدر فسه فنحن ما زلنا في أعشاشنا ندرج ومن شباك ومصائد أهوائنا لا نخرج، ومن الذي يطير بلا جناح.

ومن الذي يستنير في الظلم وهو لا يملك مصباح، وإنما تضطرنا أحوال وقتنا فتتعدى طورنا في الكلام فيما لا نحسن الكلام فيه مثل موضوعنا هذا فإن الذي يُلجئ الإنسان إلى الكلام فيه ما نسمعه ونراه من التعرض السيء لعظمة العظيم سبحانه ممن لم يقدره قدره ولم يعرفه إلا بإسمه فيتكلم بلسانه ويكتب ببنانه ما يوحي إليه شيطانه مما تكاد تنهد منه الجبال وتنفطر السموات، ولذلك أردت أن أكتب ما يتيسّر لي من بيان صفات الجليل مما ورد ذكره في التنزيل مما يفيد بحملته علمًا عظيمًا هو أجل العلوم وأشرفها على الإطلاق، وليس المراد مجرد سرد الصفات الواردة فقط وإنما المراد بيان تناسق بعضها مع بعض وتصديق بعضها بعضًا، بحيث يكون الإلمام بهذا العلم بحملته بمشيئة الله نافعًا وللشبهات المضلة دافعًا. ثم إنه بالمعرفة لذي الجلال والإكرام وما يتصف به من الصفات التي تليق به سبحانه يُعرف عظيم ما تجرأ عليه الزنادقة من تصويرهم لإنسان يقولون: هذا الله فاز بجائزة التليفزيون وبعضهم يقول: مللنا ربنا فلنجرب ربًا غيره، وبعضهم يقول: العلم زحزح الله عن مكانه، ونحو ذلك من مقالات الزنادقة.

قاتلهم الله، كذلك ليعلم عظم ما يفتريه الدجال ويكون هذا العلم عصمة منه للموفق وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت