إذا كان سبحانه هو (الكبير) وهو (العظيم) وهو الذي يأخذ السموات بيده ويقبض الأرض بيده ويطوي السماء بيده وكل هذه المخلوقات صغيرة في يده فكيف يتوهّم المسلم أنه سبحانه داخل السموات أو أنها تحيط به بل هو فوق العرش الذي هو سقف السموات والكون كله. والعالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى الخالق تعالى في غاية الصغر.
وقد تقدم بيان هذا ويأتي زيادة عليه. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يقبض الله تبارك وتعالى الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض) .
فتأمل عظمة الخالق وصغر المخلوقات الكبيرة العظيمة بالنسبة إليه. قال ابن تيمية في قوله تعالى: (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) : فَمنْ هذه عظمته يمتنع أن يحصره شيء من مخلوقاته. وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملِك أين الجبارون أين المتكبرون) .
وقال ابن عباس: (يقبض عليهما [يعني السموات والأرض] فما يُرى طرفاهما بيده) .
وفي لفظ عنه: (ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم) .
فهذا كله يبين عظمة الرب سبحانه وأن المخلوقات لا تحيط به بل هو بكل شيء محيط. وهو سبحانه أخبرنا بصغر المخلوقات بالنسبة إليه لنعرف عظمته. ولذلك قال عن المشركين: (وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) ثم ذكر سبحانه من صفاته العظيمة ما يبين عظمته وأن المشركين لم يقدُروه حق قدره حيث عبدوا معه غيره. فلما أخبرنا بعد ذلك بقوله تعالى: (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) إنما أراد سبحانه أن نعرفه ونَقْدُرُه حسب ما نستطيع.
أما قدْره حق قدْره فلا يقدر عليه أحد لعظمته وعجز المخلوق عن ذلك لكنه سبحانه يشكر اليسير ويرضى بالقليل.
ولذلك تقول الملائكة يوم القيامة: (سبحانك ما عبدناك حق عبادتك) وإنما قالوا هذا لما ظهر لهم من جلاله وعظمته فوق ما كانوا يعرفون، وإذا كانت هذه مقالتهم مع عبادتهم العظيمة فهذا مما يبين عظمة الرب سبحانه وجلاله وكماله وجماله.
وقد ذكر ابن القيم في (طريق الهجرتين) أن ما ألقاه الله في قلوب المؤمنين من الإيمان بأسمائه وصفاته إلى حيث احتملته القوى البشرية وورائه مما لم تحتمله قواهم ما لا يخطر ببال ولا يدخل في خلد مما لا نسبة لما عرفوه إليه.
ومما يبين أن الرب سبحانه ليس في داخل السموات وقول الإمام أحمد: لو أن رجلًا كان في يده قدَح من قوارير صاف وفيه شيء صاف لكان نظر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح. والله وله المثل الأعلى قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شيء من خلقه. انتهى.
أما نزوله سبحانه إلى السماء الدنيا فليس معناه أن تكون السموات فوقه. فهذا يتصوّره من طلب كيفية صفات الرب وأفعاله قياسًا على المخلوقات فأما من علم وأيقن أن إدراك كيفية صفات الإله وأفعاله تابعة لإدراك كيفية ذاته لم يُجْهد نفسه في تصورات وتخيّلات ما هو ممنوع من إدراكها على كيفيتها مع إيمانه أن لها كيفية وحقيقة أعظم من إيمانه بحقيقة نفسه وكيفية صفاته. وقد شرح ابن تيمية حديث النزول في الفتاوى المجلد الخامس شرحًا بديعًا من فهمه انفتحت له أبواب شريفة من معرفة صفات الرب وأفعاله.