والمراد هنا أنه ينزل وهو فوق العرش قال ابن تيمية رحمه الله: ومن المعلوم أن الواحد منا ولله المثل الأعلى إذا كان عنده خردلة إن شاء قبضها فأحاطت بها قبضته وإن شاء لم يقبضها بل جعلها تحته فهو في الحالتين مُباين لها. وسواء قُدِّر أن العرش هو محيط بالمخلوقات كإحاطة الكرة بما فيها أو قيل أنه فوقها وليس محيطًا بها كوجه الأرض الذي نحن عليه بالنسبة إلى جوفها وكالقبّة بالنسبة إلى مانحتها أو غير ذلك فعلى التقديرين يكون العرش فوق المخلوقات. والخالق سبحانه وتعالى فوقه. والعبد في توجهه إلى الله يقصد العلو دون التحت، إلى آخره. فانظر صغر المخلوقات بالنسبة لرب العالمين.
ثم إنه مما يوضح هذا المعنى وهو أن الرب سبحانه ليس في داخل السموات السبع أحاديث معراج النبي صلى الله عليه وسلم فقد ذكر السموات السبع وأنها فتحت له واحدة واحدة ورأى مَنْ فيها من الأنبياء.
وذكر صلى الله عليه وسلم موسى وأنه في السماء السادسة ثم ارتفع صلى الله عليه وسلم مع جبريل إلى السماء السابعة وفيها إبراهيم ثم ارتفع من هناك إلى ربه. وبعد أن فرض عليه خمسين صلاة في كل يوم وليله نزل قال صلى الله عليه وسلم: (فنزلت حتى انتهيت إلى موسى قال ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة في كل يوم وليلة قال: إرجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك وإني قد بَلَوْت بني إسرائيل وخبرتهم قال: فرجعت إلى ربي) الحديث.
فهذا الرجوع من عند موسى هو صعود النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه من السماء السادسة التي فيها موسى مع أن النبي صلى الله عليه وسلم يمرّ على إبراهيم في السماء السابعة وما يزال صاعدًا إلى ذي العزة والجلال.
يزيد هذا وضوحًا أن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. كما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري.
فهذه المائة درجة فوق السماء السابعة وتحت العرش لأن العرش سقف الفردوس. والفردوس أعلى الجنة وأوسطها. والعالم كلما ارتفع منه كان أوسع وأنور.
فالسعة تظهر واضحة بمعرفة كروية السموات وقد بينت ذلك ولله الحمد في (هداية الحيران في مسألة الدوران) وفي (كاشفة الدوران والمردفة لهداية الحيران) .
فإذا كانت السماء الدنيا محيطة ببنائها بالأرض إحاطة الكرة بما في داخلها الذي هو وسطها كالنقطة في الدائرة وكإحاطة بياض البيضة بصفارها لو كان بين البياض والصفار فراغًا لِيُمثّل هذا الفراغ الفراغ الذي بين السماء والأرض فيُعلم من هذا العقل أن السماء الدنيا عظيمة السعة فسيحة الأرجاء. وأنها بالنسبة للأرض كبيرة جدًا لأن كرة الأرض في جوفها وهي محيطة بها من كل جانب إحاطة الكرة بما في وسطها.
فإذا كانت هذه السعة المعلومة بالعقل للسماء الدنيا فالسماء الثانية أوسع منها وأعظم لأنه كرة محيطة بها كإحاطة السماء الدنيا بالأرض، ثم السماء الثالثة كذلك والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة كلها على هذا الوصف.
فمن هنا يتبين اتساع ما فوق السماء السابعة التي فوقها الجنة، ويتبين صدق الصادق المصدوق في وصفه الجنة ودرجاتها وسعتها وسعة منازل أهلها وأبعادها كما في الأحاديث الصحيحة.
أما الإستنارة فقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: (إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور السموات من نور وجهه) .
وإذا كانت سعة الكون تابعة لعلوه وارتفاعه كذلك استنارته فإن ضيقه وظلمته تابعة لسفوله فإن سجين في الأرض السابعة السفلى وهي أضيق شيء وأظلمه وهناك جهنم.
فقد تبين أن الرب سبحانه ليس هو في داخل السموات وأنه (الكبير، المتعال، العلي، الأعلى) وأن علوه من لوازم ذاته سبحانه.