الصفحة 7 من 23

قال ابن القيم رحمه الله في (الفوائد) فصل: مِنْ أعز أنواع المعرفة معرفة الرب سبحانه بالجمال وهي معرفة خواص الخلق. وكلهم عرفه بصفة من صفاته.

وأتمهم معرفة من عرفه بكماله وجلاله وجماله سبحانه ليس كمثله شيء في سائر صفاته.

ولو فَرَضْتَ الخلق كلهم على أجملهم صورة وكلهم على تلك الصورة ونسبت جمالهم الظاهر والباطن إلى جمال الرب سبحانه لكان أقل من نسبة سراج ضعيف إلى قرص الشمس. ويكفي في جماله أنه لو كشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سبحانه ما انتهى إليه بصره من خلقه. إلى آخره.

تأمل ذكر ابن القيم إحراق سبحات الوجه الكريم في كلامه على جمال الرب سبحانه وأنه إحراق الإشراق وإحراق نور الجمال والجلال والكمال للكبير المتعال، وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: (إن الله جميل يحب الجمال) وقال: فصل: القرآن كلام الله: وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته فتارة يتجلى فيه جلباب الهيبة والعظمة والجلال فتخضع الأعناق وتتكسر النفوس وتخشع الأصوات ويذوب الكِبْر كما يذوب الملح في الماء.

وتارة يتجلى في صفات الجمال والكمال وهو كمال الأسماء وجمال الصفات وجمال الأفعال الدال على كمال الذات فيستنفد حبه من قلب العبد قوة الحب كلها بحسب ما عرفه من صفات جماله ونعوت كماله، فيصبح فؤاد عبده فارغًا إلا من محبته. فإذا أراد منه الغير أن يُعلّق تلك المحبة به أبى قلبه وأحشاؤه ذلك كل الإباء كما قيل.

يراد من القلب نسيانكم

وتأبى الطباع على الناقل

فتبقى المحبة له طبعًا لا تكلفًا. إلى آخره.

تأمل قوله: فإذا أراد منه الغير أن يُعلّق تلك المحبة به أبى قلبه تعلم أن من ابتلي بالعشق فإنما هو لفراغ قلبه من هذه المحبة، والقلب لا يتعطل من المحبة والإرادة أصلا لكن متعلّق هذه المحبة والإرادة يختلف فإما محبة وإرادة من فُطِرَت القلوب على محبته وإرادته وهو الحق سبحانه أو محبة وإرادة ما سواه من متعلقات الهوى.

ثم لا بد من العلم أن محبة الله يقارنها إجلال له. ولا تماثل محبته محبة مخلوق. ولذلك أثنى الله على المتحابين بجلاله. وعبودية جلاله سبحانه إجلاله.

قال ابن القيم رحمه الله في (طريق الهجرتين) : والمقصود أنه سبحانه يُحبّ نفسه أعظم محبة ويحب من يحبه وخلق خلقَه لذلك. وشرع شرائعه وأنزل كتبه لأجل ذلك، وأعد الثواب والعقاب لأجل ذلك. وهذا هو محض الحق الذي به قامت السموات والأرض وكان الخلق والأمر. فإذا قام به العبد فقد قام بالأمر الذي خُلِق له فرضي عنه صانعه وبارئه وأحبّه إذ كان يحب ما يحبه ويرضى ما يرضيه فإذا صَدَف عن ذلك وأعرض عنه وأبق عن مالكه وسيده أبغضه ومقته لأنه خرج عما خُلِق له وصار إلى ضد الحال التي هو لها فاستوجب منه غضبه بدلًا من رضاه، وعقوبته بدلًا من رحمته. إلى آخره.

وقال رحمه الله في محبة العبد لربه وأنه لا بد فيها من الإجلال والتعظيم قال: لا ريب أن الحب والأنس المجرّد عن التعظيم والإجلال يَبْسط النفس ويحملها على بعض الدعاوي والرّعونات والأماني الباطلة وإساءة الأدب والجناية على حق المحبة. فإذا قارن المحبة مهابة المحبوب إنكسرت نفسه له وذلّت لعظمته واستكانت لعزته وتصاغرت لجلاله وصَفَتْ من رعونات النفس وحماقاتها ودعاويها الباطلة وأمانيها الكاذبة.

ولهذا في الحديث يقول الله عز وجل" (أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) فقال: (أين المتحابون بجلالي) فهو حب بجلاله وتعظيمه ومهابته ليس حبًا لمجرد جماله فإنه سبحانه الجليل الجميل. والحب الناشئ عن شهود هذين الوصفين هو الحب النافع الموجب لكونهم في ظل عرشه يوم القيامة."

فشهود الجلال وحده يوجب خوفًا وخشية وانكسارًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت