قال تعالى: (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا) وهذا يكون يوم القيامة عند مجيئه سبحانه قال تعالى: (وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) .
فهذه الأرض على سعتها وعظمها تشرق بنور الجليل سبحانه أما الآن فنوره سبحانه محجوب عنه بالحجب لأمرين:
أحدهما: أننا لا نطبق ذلك وفي الحديث (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحانه وجهه ما أدركه بصره من خلقه) ثم هذا الإحراق المقارن للإشراق هو لضعف المخلوقات عن أن تحتمل نور رب العالمين، وسبحات وجهه سبحانه هي نوره وجماله وكماله وجلاله. وحَسْبُك أن رؤيته سبحانه في الجنة أعلى النعيم كما ورد في الحديث: (فما أعطاهم شيء أحب إليهم من النظر إلى وجهه) مع أنه أعطاهم الجنة ونعيمها.
الثاني: الإيمان بالغيب وإلا فالرب سبحانه قادر الآن على كشف الحجب فيصل إلينا نوره لا محاله ولذلك فنور السموات من نور وجهه قال ابن مسعود رضي الله عنه: (ليس عند ربكم ليل ولا نهار نور السموات من نور وجهه) وهذا ثابت عنه.
وفي الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة. ومن أسمائه(النور) قال ابن تيمية: فأخبر أنه احتجب عن المخلوقات بحجابه النور أن تدركها سبحات وجهه وأنه لو كشف ذلك الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه.
فهذا الحجاب عن إحراق السّبحات يبين ما يَرِدُ في هذا المقام.
وعن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الجبار جل جلاله وقد أشرف عليهم من فوقهم وقال: يا أهل الجنة سلام عليكم فذلك قوله تعالى:(سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ) قال: ثم يتوارى عنهم وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم) رواه الحاكم في صحيحه وابن ماجه في سننه. قال ابن القيم بعد أن ذكره في الصواعق المرسلة قال: فهذا نور مشاهد قد سطع لهم حتى حركهم واستفزّهم إلى رفع رؤوسهم إلى فوق.
أنظر قوله: رفع رؤوسهم إلى فوق مع أنهم في الجنة فوق السماء السابعة. وقال رحمه الله في قوله تعالى: (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا) فأخبر أن الأرض يوم القيامة تشرق بنوره وهو نوره الذي هو نوره فإنه سبحانه يأتي لفصل القضاء بين عباده وينصب كرسيه بالأرض فإذا جاء الله تعالى أشرقت الأرض وحُقّ لها أن تشرق بنوره. وعند المعطلة لا يأتي ولا يجيء ولا له نور تشرق به الأرض.
وقالأ: وكما أنه لا يماثل في صفة من صفات خلقه فكذلك نوره سبحانه. فأي نور من الأنوار المخلوقة إذا ظهر للعالم وواجهه أحرقه؟ وأي نور إذا ظهر منه للجبال الشامخة قدْراَ ما جعلها دكا؟
وإذا كانت أنوار الحجب لو دنا جبرائيل من أدناها لاحترق فما الظن بنور الذات؟ انتهى.
من عَلِم هذا ظهر له أن الدجال لا يستريب بأمره من عرف الله هذه المعرفة ولا سيما نوره سبحانه وسيأتي إن شاء الله ذكر الدجال.