قال ابن القيم رحمه الله في كتابه: (الصواعق المرسلة) مختصر الموصلي: قال: وإذا شئت زيادة تعريف بهذا المثل الأعلى فعُدَّ قُوى جميع المخلوقات إجتمعت لواحد منهم ثم كان جميعهم على قوة ذلك الواحد. فإذا نَسَبْتَ قوتهم إلى قوة الرب تعالى لم تجد نسبة إليها البتة كما لا تجد نسبة ين قوة البعوضة وقوة الأسد.
وإذا قدَّرْتَ علوم الخلائق اجتمعت لواحد ثم قدّرْتَ جميعهم بهذه المثابة كانت علومهم بالنسبة إلى علمه تعالى كنقرة عصفور في بحر، وكذا في حكمته وكماله.
وقد نبّهَنا سبحانه وتعالى على هذا المعنى بقوله:
(وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فقدّر البحر المحيط بالعالم مدادًا ووراءه سبعة أبحر تحيط به كلها مداد تُكتب به كلمات الله نفدت البحار ونفدت الأقلام التي لو قدّرت جميع أشجار الأرض من حين خلقت إلى آخر الدنيا ولم تنفد كلمات الله.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم (أن السموات السبع في الكرسي كحلقة ملقاة بأرض فلاة. والكرسي في العرش كحلقة ملقاة في أرض فلاة والعرش لا يقدر قدْره إلا الله) . وهو سبحانه فوق عرشه يعلم ويرى ما عباده عليه.
فهذا الذي قام بقلوب المؤمنين المصدّقين العارفين به سبحانه المثل الأعلى. فعرفوه به وعبدوه به وسألوه به. فأحبوه وخافوه ورجوْه وتوكلوا عليه وأنابوا إليه واطمأنوا بذكره وأنِسوا بحبه بواسطة هذا التعريف. فلم يصعب عليهم بعد ذلك معنى استوائه على العرش وسائر ما وصف به نفسه من صفات كماله إذ قد أحاط علمهم بأنه لا نظير لذلك ولا مثل له. ولم يخطر بقلوبهم مماثلة شيء من المخلوقين، وقد أعلمهم سبحانه على لسان رسوله أنه (يقبض سمواته بيده والأرض باليد الأخرى ثم يهزّهن) (وأن السموات السبع والأرضين السبع في كفّه كخردلة في كفّ أحدكم) (وأنه يضع السموات على أصبع والأرضين على أصبع والجبال على أصبع والشجر على أصبع وسائر المخلوقات على أصبع) .
فأي يد للخلق وأي أصبع تشبه هذه اليد وهذه الأصبع حتى يكون إثباتها تشبيهًا وتمثيلًا. إنتهى.
وذكر ابن القيم: أن طريق أهل الإيمان في إثبات صفات الرب سبحانه واضحة المنار.
بيّنة الأعلام مضيئة للسالكين وأولها أن تحذف خصائص المخلوقين عن إضافتها إلى صفات رب العالمين. فإن هذه العقدة هي أصل بلاء الناس فمن حلّها فما بعدها أيسر منها. ومن هلك بها فما بعدها أشد منها.
وهل نفى أحد ما نفى من صفات الرب ونعوت جلاله إلا لِسَبق نظرة الضعيف إليها [يعني خصائص المخلوقين] .
واحتجابه بها عن أصل الصفة وتجرّدها عن خصائص المُحْدَث؟ فإن الصفة يلزمها لوازم باختلاف محلّها فيظن القاصر إذا رأى ذلك اللازم في المحل المحدَث أنه لازم لتلك الصفة مطلقًا. فهو يَفِرّ في إثباتها للخالق سبحانه حيث لم يتجرد في ظنه عن ذلك اللازم. إلى آخره وهو أصل عظيم في معرفة صفات الذي ليس كمثله شيء حيث أن لصفات الرب لوازم ولصفات المخلوق لوازم. فلوازم صفات المخلوق مَنْفية عن الخالق ولوازم صفات الخالق منفية عن المخلوق.
إنه لا يمكن للعبد إثبات صفات الرب سبحانه إلا بإحكام هذه القاعدة المهمة فإن كثيرًا ممن يثبتون صفات الإله يُعْسرُ عليهم تجريد لوازمها عن لوازم صفات المخلوق.