قد تقدم ما يبين من عظمة الرب وجلاله وجماله وكماله ونوره ما يكون بإذن الله عاصمًا من الدجال الأعور الكذاب.
هذا الرجل الخبيث الذي جعله الله فتنة يبتلي بها العباد في آخر الزمان الذي هو زماننا. ودعواه من أعظم وأكبر الدعاوي الكاذبة. ولقد أدّعاها فرعون قبله ولذلك ثنى الله قصته في القرآن للعبرة لكن فرعون جعله الله ابتلاء لقومه خاصة.
وقد عُلِمَ ما فعل الله به وبمن أطاعه في الدنيا. وعُلِمَ ما يفعل بهم أيضًا في الآخرة. أما الأعور الدجال فالله يبتلي به أهل الأرض. وله من الشُّبَه ما ليس لفرعون كما ورد في الأحاديث الصحيحة أنه بكلمة منه تخرج الأرض المكنوز من الذهب والفضة ونحوها الذي يكون غالبًا في المساكن القديمة المتهدّمة فتتبعه هذه الكنوز.
وأنه يأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت وغير ذلك من مخارقه التي جعلها الله له وأقدره عليها ابتلاء لعباده.
والذي ينبغي أن يلاحظ ويُعتنى بشأنه أن الأسباب قد تهيأت بما لم يسبق له مثيل لخروج الدجال الأعور الكذاب حيث أن الناس في هذا الزمان يشاهدون من الخوارق العجيبة في الأفلام ما يجعل خوارق الدجال عندهم من جنس المألوف المعتاد بل من جنس العلم المطلوب المراد. ومعلوم أن هذا من فتنته وأن ظهور شخصه قد قرُب.
وهذا الدجال له علامات كثيرة تكشف أمره وهي ظاهرة بينة لكن من أعظم ما يكشف كذبه ثلاث:
أنه أعور والرب سبحانه ليس بأعور.
وأن الله لا يُرى في الدنيا.
وأنه مكتوب بين عينيه (كافر) يقرؤها كل مؤمن كاتب وغير كاتب. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بعلاماته.
وهذه الثلاث من أظهرها وأبْينها. كذلك فإنها مقارنة لظهوره ليست متأخرة كقتله المؤمن وإحيائه وغير ذلك من خوارقه التي لا تتفق له جميعها في البداية.
ثم لِيُعْلَم أن من له معرفة بربه سبحانه كما تقدم مما ذكرت من بعض صفاته أنه لا يستريب في أمر الدجال من حين سماعه لدعواه الربوبية ولو لم يَرَه لمعرفته بربه سبحانه وعظمته وجلاله وأن نوره تشرق له الأرض جميعها لو كشف عنه الحجب التبي بينه وبين حلقه بل تحترق المخلوقات لو تجلى لها الجليل سبحانه بخلاف اليوم الآخر فهذا له شأن غير شأن الدنيا بحيث هناك يتجلى ويظهر نور جلاله وجماله وكماله سبحانه وبحمده ويُرى وجهه الكريم. أما هذا الكسيف اللعين الخبيث فأحقر شيء وأهونه لا يستريب المؤمن في أمره لما أعطاه الله من العلم والإيمان ولكن أين العلم والإيمان وقت الدجال؟ كما هو حاصل. لأن المراد بالعلم ما نفع وهو الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من ربه.
وقد تغيرّت اليوم الأحوال بشكل خطير وقد يقول الإنسان: أنا أعرف أن هذا هو الدجال المُخْبَر به الكذاب ثم يأتيه فيُفتن. ولذلك جاء الأمر بالبعد عنه. فعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سمع بالدجال فَلْيَنْأ عنه فوالله إن الرجل ليأتيه وهو بحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يُبْعث به من الشبهات أو لما يبعث به من الشبهات) رواه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم وأقرّه الذهبي في تلخيصه.
إن التعرّض للفتن أصبح في زماننا عادات تستدعيها طباع المفتونين وتألفها وسبب ذلك كما يُقال: نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل. فالإنشغال بالباطل صار فضيلة يدور المدح معها حيث دارت.
والدجال فتنة عظيمة بل هي أعظم الفتن على الإطلاق كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال) رواه مسلم وأحمد.