الصفحة 13 من 23

هل يُرى الرب في الدنيا؟

كل دعوى لرؤية الله في الدنيا كذب. ولو كانت تحصل لبشر لحصلت لموسى عليه السلام فإنه نبي كريم وفي مقام المناجاة والتكليم. ولذلك لما تجلى الرب للجبل اندك وصعق موسى وقد قال صلى الله عليه وسلم: (واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت) وهذا ثابت في الصحيح.

قال ابن تيمية رحمه الله: ومن قال من الناس أن الأولياء أو غيرهم يرى الله بعينه في الدنيا فهو مبتدع ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة والشيطان يتلاعب بالعبد إذا خُذل أما إذا وُفّق فإنه يردّه خاسئًا إذا أراد كيده.

فهذا أبو ميسرة القيرواني المالكي أحمد بن نزار كان يختم كل ليلة في مسجده فرأى ليلة نورًا قد خرج من الحائط وقال: تملاّ من وجهي فأنا ربك. فبصق في وجهه وقال: إذهب يا ملعون فطفئ النور.

ولما كان مكر الشيطان بالدجال من أعظم المكر ما رضي منه إلا بدعوى الربوبية.

قال بعض المشايخ: إذا رأى العبد ربه في صورة كانت تلك الصورة حجابًا بينه وبين الله.

وهذا يُحتمل أن يراد به تصور القلب وقد يكون المراد رؤية العين وعلى أي حال فالشيطان يكيد بهذا وهذا. والعارف بالله معه سلاح العلم يدْحَرُ به الشيطان بتوفيق الله.

ولو رأى العباد ربهم في هذه الدنيا لذهلوا عن كل شيء ولتعلقت قلوبهم وأبصارهم به فلا تنصرف عنه محبة وشوقًا وتلذذًا وتنعمًا.

وإذا كان جنس هذا يحصل لأهل الجنة مع ما هم فيه من التنعم بالنعيم المخلوق بل وما هم فيه من المحبة والشوق للحور العين اللاتي كأمثال اللؤلؤ المكنون والتمتع واللذة بهن فإذا رأوا رب العزة والجلال ودّوا أن تدوم لهم رؤيته وسماع كلامه ولا يعودون إلى النعيم المخلوق. مع أن هذا النعيم من المساكن الطيبة والزوجات الحسان والمآكل والمشارب التي لا يقارب شبهها ما في الدنيا ولا تتفق معه إلا في الأسماء فقط مما لم تره عين ولا سمعته أذن.

وإنما رؤية الجليل سبحانه وسماع كلامه أجلّ وأعظم. وذكره في الجنة ومحبته غاية تنعّمهم.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: ولهذا يكون اشتغال أهل الجنة بذلك أعظم من كل شيء كما في الحديث: (إن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس) وهو يبين غاية تنعّمهم بذكر الله ومحبته.

فهذا الذكر في الجنة مع أنهم يلهمون إياه كالنفس فهم يتنعّمون به غاية التنعّم. وهذه حال الملائكة الدائمة حيث ليس لهم شهوات الأكل والشرب والجماع.

ولذلك فإن من يقرأ القرآن في القبر أو يصلي أو يذكر الله أو يعمل شيئًا من العبادات فإنما يتنعّم بذلك كرؤية النبي صلى الله عليه وسلم موسى عليه السلام يصلي في قبره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت