معرفة صفة الكون على حقيقته تهوّن معرفة صفات خالقه سبحانه فالسماء الدنيا التي نراها محيطة بالأرض من كل جانب وهي على شكل الكرة لكن نحن نرى محيطها الداخلي فقط وهو هذا المزيّن بالنجوم نرى منه ما يشبه القبّة لعدم إحاطة أبصارنا بالمحيط الكروي.
وتكويرها يظهر لمن ارتفع فوق سطحها لكن لِسَعَتِها تبدو كما تبدو لنا الأرض يعني كالسطح المستوي مع أنها أكبر من الأرض بكثير والتي فوقها أكبر منها وهكذا السموات السبع.
ثم إن هذه السماء في جوف السماء الثانية المحيطة بها كإحاطة سماءنا الدنيا بالأرض وهي على شكل الكرة أيضًا وعلى هذا الوصف بقية السموات.
ثم هذه المخلوقات كلها في جوف الكرسي والكرسي صغير جدًا بالنسبة للعرش الذي فوقه رب العزة.
ومن هنا يظهر معنى إسمه (العلي) و (الأعلى) حيث أن العرش سقف العالم كله بسمواته وأرضه والرب سبحانه مستو عليه كما يليق بعظمته بلا كيفية نتصورها ونتخيلها.
فبما أننا لا نعلم له سبحانه مثيل وشبيه فلذلك لا نقدر على العم بكيفية صفة من صفاته مع أن لها كيفية وحقيقة لكن العجز والقصور من قبلنا بخلاف من نعلم له شبيه ومثيل من المخلوقات فإنه لا يُعجزنا تصوّر صفاته وذاته إذا وُصف لنا ولو لم نره لعلمنا بالشبيه والمثيل.
فمن هنا تُثبت الصفات بلا كيف مع أن لها كيف.
والأرض على شكل الكرة تحيط بها السماء الدنيا المبنية إحاطة الكرة بما في وسها فهي كالبيضة في داخل كرة كبيرة محيطة بها بحيث تكون في وسطها يحيط بها الهواء من كل جانب.
ثم إن الرب سبحانه أودع هذه الأرض العظيمة خاصيّة عجيبة وهي انحطاط الأثقال وانجذابها إلى سطحها ثم لَوْ حُفِرَت وخرِقتْ ما تزال الأثقال تنجذب إلى أسفل.
لكن هل تستمر هذه الظاهرة دائمًا ما دام الحفر مستمرًا أم أن لهذه الظاهرة نهاية؟
الصحيح أن لهذه الظاهرة نهاية، فبما أن السُّفل ليس هو ما تحت أقدامنا إلى ما لا نهاية وإنما ينتهي في الأرض السابعة السفلى وكذلك انحطاط الأثقال وانجذابها ينتهي هناك.
فهذا لا يتغير في جميع جهات الأرض ونواحيها لكن يُمَثل لهذا ببيضة مسلوقة نُزِعَ صفارها وَوُضع بدله مغناطيس فإذا وُضع على قشر البيضة من خارج قطع حديد صغيرة فإنها تنجذب إلى جوف البيضة. وهذا الإنجذاب يحصل في جميع نواحي قشرة البيضة الخارجية بتأثير المغناطيس.
بقي ما يتوهّمه الإنسان في أول الأمر وهو رؤيته لنفسه أن الأرض تحته والسماء فوقه.
لكن مَنْ في ذلك الجانب من الأرض قد يصعب عليه أول الأمر أنهم في وضع مستقيم يعني أنهم في مثل حاله تمامًا الأرض تحتهم والسماء فوقهم.
وهذا مجرد وهم حيث أن من في جميع نواحي الأرض إحساسهم وشعورهم واحد أن الأرض تحتهم والسماء فوقهم لهذا السِّر الذي بفهمه ينحل هذا الإشكال ويذهب هذا الخيال وهو أن السفل والإنجذاب ينتهي في الأرض السابعة السفلى وهي في جوف الأرضين كما مُثّلَ بالبيضة التي في داخلها مغناطيس ولست أقول: إن في الأرض السابعة السفلى مغناطيس يجذب الأثقال لكن هذا تمثيل فقط. ولو كان مغناطيسًا لما جَذَبَ غير الحديد والله أعلم.
إذا عُلِمَ ذهب ذلك الوهم وعُلمت كروية الأرض وكروية السماء وإحاطتها بالأرض من كل جانب وأن كل من على الأرض في أي ناحية السماء فوقهم والأرض تحتهم وقد أثنى الله على الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض تفكرًا يتعبدون الله به ليس لمجرّد المعرفة فإن في التفكر بذلك ما يزيد الإيمان.