الصفحة 29 من 67

فلما خرج أدرك الأرطبون بحكمته أن لا يفعل مثل هذا إلا عمرو بن العاص، فقال لهم: هذا عمرو فأدركوه، فخرجوا وراءه ولم يُدرِكوه. فلما بلغ الخبر عمر بن الخطاب قال:"رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب".

فهذا من الدهاء، والدهاء قمة من نتائج الذكاء، وإذا استُخدم في محرّم يسبب كوارث؛ لأنه بالدهاء تُخرب البيوت، وتُطلَّق الزوجات، ويُتآمر على الناس، ويُغتال القادة، وتنشقُّ التنظيمات، هذا كله بالدهاء. فإذا الدهاء اجتمع معه قلة الدين مصيبة!

أمثلة بسيطة حتى تفهموا المقصود بكلمة الدهاء؛ هو رجاحة العقل والحكمة وحياكة المخططات والخروج من المآزق ونصب الكمائن والتفكير بصورة شمولية بعقل كبير.

وكذلك الأمر كخلق مهم جاء في صفحة 57 - 62، ستة صفحات، وجاء أيضًا في كتاب كارتوا التواضع، لأهميته.

وشواهده كثيرة جدًا، [قال الغزالي في التواضع:"هو كسائر الأخلاق له طرفان وواسطة، فطرف إفراطه تكبُّر، وطرف تفريطه خِسَّة ومهانة، والوسط المحمود هو التواضع.] ."

ممكن الإنسان أن يتواضع فيتذلَّل ويصل لمرحلة من المهانة، قرأت في بعض كتب المتصوّفة يريد أن يُعرّف نفسه، ففي سطرين أو ثلاثة من التعاريف، حتى قال:"الفقير، الحقير، الزبيب .."، حتى قال:"أفقر الورى وأحقر من ترى فلان الفلاني"!، فالشاهد في الموضوع هذا دخل في التفريط حتى وصل للخسة والمهانة والتذلل.

تواضع الأمير يُجرّئ الرعية، يجعلهم لا ينفذّون أمره، فدخل في التذلل والمسكنة. تكبُّر الأمير يُنفّر الرعية ويجعلهم لا يحبون أن يجلسوا معه، فهذا من الأخلاق التي لها وسط وإفراط وتفريط كما ذكره الغزالي هنا.

[وقد جعل الطرطوشي العُجب مع فرعه الكِبر من الأوصاف التي لا تدوم معها مملكة، ونُقل عن الأوزاعي:"يهلك السلطان بالإعجاب والاحتجاب".]

لا تدوم مملكة وسلطان وقيادة لرجل ضُرب بالعجب والكبر والغرور!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت