والشواهد هنا كثيرة والصفحات كثيرة، ومراتب العجب وآفات الغرور، ارجعوا إليها عند الغزالي مُفصَّلة تفصيلًا رائعًا في كتاب (الإحياء) .
ثم ذهب في صفحة 73 - هو خلق متأخر ولكن نقلته إلى هنا- وهو المُداراة، أن يعرف الإنسان كيف يُداري الظروف ولا يتَّخذ ما يُوجبه المبدأ وما يُوجبه العِزَّة والكرامة، لأنه يُداري وضعًا معيَّنًا استثنائيًا.
فجاء هنا وروى شاهدين، قال: [أحدهما: ما في الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: استأذن رجل على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: (إيْذَنُوا له بِئْسَ أخو العشيرة) . فلمّا دخل أَلانَ له القول، فقالت: يا رسول الله، قلت الذي قلت ثم أَلَنْتَ له الكلام؟ قال: (يا عائشة إن شرّ الناس، مَن وَدَعَهُ الناس اتِّقاءَ فُحشه) .] ، فداراه حتى لا يفجُر عليه.
والشاهد الثاني: [عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- أنه قال:"إنا نُكشِّر -يعني نتبسّم- في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم". صحيح البخاري.]
وجاء هنا بشواهد لابن القيم وغيره، ولكن أريد أن أقول لكم شواهد عملية في قضية المداراة، خذ الآن أمرًا بسيطًا جدًا هنا في أفغانستان، أتعبنا وأدخلنا في الكثير من المشاكل، ومن أيام الجهاد الأول ومن أيام الشيخ عبد الله عزام، وما حُلّ مع أن الشيخ أفرد له عشرات أو مئات الصفحات، والآن يسبب لنا المشاكل ويكاد يُهلكنا في هذا البلد، وهو مداراة الأفغان في مذهبهم الحنفي؛ مداراة المصلّين في طريقتهم في الصلاة. فلأن هذا الأمر غاب عن كثير من الإخوة تجد أنه ما عاد هناك مسؤولية، ورغم أنه أخذ الأحكام وأخذ أنه جائز.
في مرة من المرات سمعت من الشيخ أسامة نفسه يطلب من الناس أن لا يرفعوا الأيدي في الصلاة، وقال:"أريد أن أوجب عليكم أن لا ترفعوا الأيدي في الصلاة"، وذكر أثرًا عن ابن عبد البر وهو من أئمة المالكية، -والمالكية يُسبلون في الصلاة لا يعقدون الأيدي على بعض أئمتهم-، قال:"كنت إذا دخلتُ مسجد قوم يُسبلون أُسبل، وإذا دخلت مسجد قوم يعقدون أعقد، فالخلاف شر كله"، بدون أن يكون قد يترتَّب عليه شيء فقط من أجل عدم إشاعة الخلاف في المسجد، وربما أذهب خشوع بعض المصلين لأنهم يرون شيئًا غير طبيعي.
مراعاة الناس هي هذه المداراة، خاصة إذا كان يستطيع أن يؤذي، خاصة إذا كان جاهلًا، خاصة إذا كان فاحشًا أو صاحب سلطان يمكن أن يبطش.