وعملية الصوم هي الأخرى تربي المسلم على الصبر وامتلاك زمام نفسه وكبح جماحها عن الشهوات والإسراف في الحلال، وهاهو رمضان على الأبواب، وهو فرصة جديدة لكل مؤمن بأن يجعل هذا الشهر مدرسة لتحصيل الصبر وتعويد النفس على الاستقامة على طاعة الله عز وجل، في السر والعلن، في السراء والضراء وفي المنشط والمكره.
فالاستقامة درجة أعلى من درجة الإيمان، لأنها تطالب صاحبها أن يكون دائم الطاعة والاتباع، لما في ذلك من مخالفة للهوى والأعراف والقوانين، وما يتبع ذلك من حرمان وأذى وفوات لمصالح مادية عديدة، وهو أمر قاس على النفس، يحتاج صاحبها إلى امتلاك إرادة قوية، وتوفيق من الله وتسديد.
فالمؤمن بحاجة إلى استقامة في تعامله مع الحلال والحرام، حيث أن الشيطان يزين الحرام ويسهله على النفس، ويجد على ذلك أعوانًا، في الوقت الذي يُظهر فيه الحلال صعبًا وشاقًا على صاحبه، ولا يجد المؤمن على ذلك أعوانًا، بل يجد نفسه وحيدًا وسط حقول من الشهوات، والعديد من جند إبليس التي تؤزه إلى المعصية أزًا.
كما أنها شرط لنزول رحمة الله ورزقه على عباده {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} (الجن: 16) . والرزق هو المتاع الدنيوي الذي يبحث عنه الإنسان ويكدح من أجله، وهاهو يأتيه صاغرًا مضمونًا من عند الله عز وجل {لأسقيناهم} ، تأكيد وضمان لا شك فيه، بشرط تحقيق الاستقامة على طريقة الرسل والأنبياء.
كما أن المؤمن بحاجة إلى استقامة في السر والعلن، فيكون مظهره وباطنه سيان في كلتا الحالتين، فيستحضر أمر الله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (آل عمران: 102) حيث أن المراد هو الحرص على استقبال الموت في حالة إيمانية، بعيدًا عن المعاصي التي تودي بصاحبها إلى الكفر.
وهو بحاجة إلى الاستقامة في اليسر والعسر، حيث أن كثيرًا من الناس يستطيعون تحقيق الاستقامة على أمر الله في حالات الرخاء والسعة، بينما تراهم يتزعزعون ويرتبكون ويضعفون في حالات الشدة والضيق، وهي الأكثر حضورًا في هذا الزمان، حيث أن الإسلام وأهله يعيشون تحت حصار شامل ومتواصل من قبل أعداء الله، بغية ردهم عن دينهم وفتنتهم عن عقيدتهم، وهذا يحتاج منا معشر المسلمين والمؤمنين أن نتسلح بسلاح الاستقامة والثبات على ديننا مهما اشتد هذا الضيق واتسع هذا الحصار.
والمؤمن بحاجة إلى الاستقامة في دعوته، سواء في مرحلة تتبع المدعو من أجل الاستئناس ثم بناء جسر الثقة بينه وبين المدعو، أو في مرحلة التربية والتكوين، أو في مرحلة التوظيف، وهي مراحل قد يصاب فيها الداعية بنوع من الملل واليأس قد يدفعانه إلى إيقاف عملية الدعوة قبل أن تكتمل، وهو أشبه بعملية إجهاض، لا سبيل إلى تفاديها إلا بالاستقامة.
أو ربما يضطر الداعية - حرصًا على كسب الناس - إلى الانحراف عن دينه والتنازل عن بعض مبادئه، لإرضاء هؤلاء المدعوين. وكثيرًا ما يحصل هذا لدى بعض الجماعات التي تكون مسيرتها الدعوية - في بادئ الأمر - سليمة وواضحة، ولكن سرعان ما تبدأ في الانحراف والبعد عن الصراط المستقيم ابتغاء مرضاة البشر من حولها بدلًا من مرضاة الله، وابتغاء تحقيق بعض المكاسب السياسية الموهومة مقابل هدم الكثير من معالم الشريعة. وها نحن نرى هذه الجماعات - أو ما يسمى بحركات