ومن المعلوم أن الفهم الصحيح للإسلام يتطلب التوازن الدقيق بين العلم والعمل، وإلاّ فإن مجرد النظر من موقع الفكر في أجواء القعود لا يمكن أن يعمق حقيقة الإسلام في الداخل الفكري والوجداني للشخص، ومادامت الحركة على طريق الجهاد هي المسار الصحيح للعمل بهذا الدين، فإنها تعد الأداة الأساسية للتفقه فيه، قال تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّين} [التوبة: 122] [1] ، ولذلك لو لم يكن الجهاد إلاّ واجبا كفائيا لكان من المطلوب أن يذهب الجميع إلى الجهاد في عملية تناوبية تمكن كافة المسلمين من فهم الدين وتوقفهم على المعاني العميقة لمفهوم العبادة، وإلاّ فإن (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوٍ مَاتَ عَلَى شُعْبَةِ نِفَاقٍ) [أحمد] .
إن الجهاد قضية من القضايا التي يجب أن تسترعي اهتمام جميع المسلمين، فهو مسؤولية من المسؤوليات العامة التي أنيطت بكافة أفراد الأمة، وهذا ما يفرض على كل واحد منها البحث عن موقع قدم في ساحة الحرب، وجدية هذا البحث تقتضي الإقدام على الجهاد بنفسية عازمة على مواصلة السير حتى وإن تخلف الغير عن أداء الواجب، فقوة الدافع يجب أن تُستمد من قوة الإلزام في التكليف الرباني، وقد قال تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَك} [النساء: 84] .
قال القرطبي: (ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يجاهد ولو وحده) [التفسير: 5/ 393] .
إلاّ أن الإحساس بالمسؤولية الفردية اتجاه قضية الجهاد لا ينبغي أن يولد نوعا من السلوك الارتجالي الذي يترجم الجهاد في شكل تحرك عفوي، ويجعل من القضية تيارا متسيبا ينسج فيه كل واحد على منواله، فإن الإحساس بالمسؤولية لا يعني تجسيد الجهاد في أعمال فردية متناثرة، وإنما المطلوب أن يعمق هذا الإحساس الحرص على التحرك المدروس الذي ينطلق من موقع العمل الجماعي، قال تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّة} [التوبة: 36] .
قال القرطبي: (معنى هذه الآية الحض على قتالهم والتحزب عليهم وجمع الكلمة) [التفسير: 8/ 136] .
نعم قد تفرض المتطلبات الكثيرة للعمل الجهادي نوعا من التعدد في المواقع، مما يقتضي توزع الطاقات المجاهدة على جوانب مختلفة لتلبية احتياجات كلٍ من تلك المواقع، في عملية تقاسم للأدوار تمكن المجاهدين من الوقوف على كافة الجبهات المفتوحة للحرب،
(1) الوجه الذي اخترناه في تفسير هذه الآية هو الذي يناسب السياق، وهو تفسير ابن عباس رضي اللّه عنهما والحسن البصري، واختيار ابن جرير، وقول لابن كثير، رحم الله الجميع.