فالقتال وإن كان هو الجبهة الأصلية للجهاد إلاّ أنه ليس هو الجبهة الوحيدة له، إذ كل جبهة من جبهات الحرب تعد جزءا من الجهاد، وتستحق أن تنال حظها من الطاقة البشرية التي تسد الثغر، قال عليه الصلاة والسلام: (جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ) [أحمد] . على أن هذا التعدد في المواقع لا يعني مطلقا إلغاء الخصوصية المتميزة التي يتمتع بها القتال في مفردات الأحكام الشرعية.
أما إذا أقيمت الدولة الإسلامية فإن من الطبيعي أن تحتاج الجماعة المسلمة إلى تثبيت التمكين، وهو ما يستدعي أن تتوزع الجهود في الجهاد وغيره، فيتحرك البعض في موقع الحرب على اختلاف جبهاتها، ويتحرك البعض الآخر خارج هذا الإطار من باقي شؤون الحياة التي تقيم البناء الداخلي للأمة، وتمكّن من الاستجابة لمختلف احتياجاتها الذاتية، إذ من المعلوم أن متطلبات موقع الدولة ليست هي متطلبات موقع الحركة، قال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} [التوبة: 122] ، لكن الحقيقة هي أن الكلام عن هذا النوع من توزيع الجهود إنما يتناسب مع واقع للأمة لا يقضي إلاّ بالوجوب الكفائي للجهاد، أما في مثل معطيات واقعنا المعاصر فإن التكييف الشرعي لحركة المسلم لا يقبل منه إلاّ الوقوف على جبهة من جبهات الحرب الدائرة بين المعسكرين.
ولعل هذا ما يدعو إلى ضرورة المراجعة لكثير من مفردات العمل الإسلامي المعاصر، ومحاولة البحث عن علاقة كل جانب من جوانب هذا العمل بالحرب القائمة بين المعسكرين، فإن مفهوم الجهاد وإن كان يتسع في تجلياته العملية لأكثر من جبهة القتال إلاّ الحقيقة الشرعية لدلالة اللفظ ترفض أن ينتسب إليه أي عمل لا يعد جزءا من الحرب ويتناسب مع مقاصد القتال في سبيل الله!!
طبعا يضع الاستحضار الجدي للدلالات العميقة التي تختزنها آية الموضوع واجبا ثقيلا على عاتق الجماعات العاملة، هو واجب إثارة القضية في حياة الأمة، وتحويلها إلى فكر عام يحمله أكبر عدد ممكن من المسلمين، في عملية تعبوية عميقة ومدروسة، تجعل الأمة تحمل هَم المواقف العملية للقضية الجهادية بكل متطلباتها، من موقع الوعي العميق بالمبادئ والدوافع والمقاصد، وليس من موقع التعاطف السطحي فحسب. وهو عمل يتطلب بدوره الاهتمام بتطوير الجهود الدعوية، بإعطائها مساحة أكبر للمشروع الحركي، والارتقاء بآليات الخطاب الدعوي ليصل إلى مستوى التناسق الدقيق مع الأهداف العامة للعمل الإسلامي.
وتبقى الآية تحمل في طياتها معنى آخر باعتبار أن"كافة"حال من المفعول، إذ يصبح المعنى العام للآية هو"قاتلوا المشركين جميعَهم"، وهو معنى يختزن دلالات كثيرة،