الصفحة 49 من 89

والابتلاء في حقيقته هو الواقع (الحدث) الذي يتطلب نوعا من مخالفة الهوى لتقف فيه النفس مواقف الحق، فهو إذن الحدث الذي يقع بالامتحان، ليُرى هل سيقدِّم الإنسان مقتضى الحق فيستجيب للأمر، أم يقدم مقتضى الهوى فيتخلف عن الاستجابة. ومن المعلوم أن هذا الامتحان متحقق بالخير والشر سواء، فكلاهما حدث تختبر به النفس، أو بعبارة مغايرة، إن الرخاء بعد الشدة يحقق معنى الابتلاء، كما أن الشدة بعد الرخاء تحقق معنى الابتلاء، قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء:35] ، فكلاهما فتنة تكشف الحقيقة وتبين الصادق من الكاذب، قال تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 3] ، وكم من النفوس تصبر على الاستجابة عند الشدة التي تأتي بعد الرخاء ولكنها تفقد تماسكها فتنتكس عندما تمتحن بالرخاء بعد الشدة.

لكن - في الحقيقة - ليس كالمحنة سببا فعالا في كشف حقائق الناس وإخراج مكنونهم النفسي، لأنها تشكل أجواء الضغط الذي يصعب معه التصنع، فتكون بمثابة الأحداث الساخنة التي تصهر تحت تأثير حرارتها عناصر الصف الإسلامي فيفرز الخبث الدخيل، ويتميز هؤلاء من هؤلاء. ولعل هذا ما جعل طريق الجهاد - على امتداد مراحله - هو الطريق الذي يشكل الظرف الصحيح لاكتشاف حقائق الناس، والسبب الأساسي الذي يميز به الله بين المؤمنين والمنافقين، وليس كالحرب محك لمعرفة حقائق الناس.

خذ غزوة الأحزاب - مثلا - وتأمل كيف كشفت أحداثُها عن العناصر الدخيلة في الصف الإسلامي، فميزت المؤمنين من المنافقين، وفاء كل واحد إلى الصنف الذي يعبر عن حقيقته، قال تعالى يصف الجو العام للميدان: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} [الأحزاب:10] ، فتحت تأثير هذه الأحداث التي زلزلت القلوب وأدهشت الأعين انقسم الناس إلى قسمين، قسم كشف عن خبث المرض الذي يخالط قلبه فقال: {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا} [الأحزاب:12] ، وقسم آخر أبان عن صدق ارتباطه بهذا الدين فقال: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} [الأحزاب:22] ، فأنت ترى أن الحدث واحد، والجميع قد خضع له في نفس الأجواء، ولكن بين موقف المؤمنين وموقف المنافقين من التباين كما بين الصدق والكذب.

وفي معركة أُحُد خرجت الجماعة المسلمة للجهاد .. فماذا كان؟

لقد انكشفت حقائق الناس، وانقسموا كذلك إلى قسمين، قسم استجاب لنداء الجهاد، وقسم تخلف ليخذل الجماعة المسلمة في أحرج الظروف وأشدها صعوبة، حتى إذا قيل لهم في ذلك، {قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُم} [آل عمران:167] ، وليس هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت