الصفحة 50 من 89

فحسب، ولكن عندما ترجع الجماعة المسلمة من المعركة يقولون في شأن الشهداء الذين أرخصوا دمائهم في سبيل الله {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} [آل عمران:168] ، فكأنهم يريدون أن يشوشوا بهذه الشبهات على التصور الإسلامي للحياة والموت، ويقلبون بهذه الكلمات الحقائق، ليحدثوا الفتنة في الصف الإسلامي.

وهكذا هم دائما، لا يكتفون بالمواقف الباطلة، وإنما يحاولون قراءة الحدث قراءة تتناسب مع هذه المواقف الباطلة، فيتمنطقون في الطرح ليبرروا سلوكهم، ويتقعرون في الكلام ليضفوا العقلانية على أفعالهم، ولكن هيهات .. لقد غاص القرآن إلى أعماق نفوسهم فكشف حقيقة تعليلاتهم، وحلل مضمون كلامهم فبين تهافت تفسيراتهم، فأقام للمؤمنين البرهان على أنها لا تعدو أن تكون مجرد شبهات باهتة قد أفرزتها الأهواء تحت ضغط الشهوات.

واقرأ كمثال على المتابعة القرآنية لهذا الصنف من الناس قوله تعالى: {يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَة، ٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيرًا} [الأحزاب:14] .

نعم هؤلاء المنافقون ليسوا صنفا واحدا، وإنما هم أصناف، قال تعالى: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ} [الأنفال:49] ، كما أن المؤمنين ليسوا على درجة واحدة وإنما هم درجات، {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِر} [الأحزاب:23] ، ولكن المهم هو أن هؤلاء فريق وهؤلاء فريق آخر، وعندما نتكلم عن التمييز فإننا نتكلم عن التفريق بين الفرقين بغض النظر عن الأصناف أو الدرجات الموجودة داخل كل فريق، فللحديث عن ذلك مقام آخر.

لقد انجلت غزوة أحد وغزوة الأحزاب عن فريقين من الناس، كلاهما كان يعتبر داخلا تحت الصف الإسلامي، فريق المؤمنين وفريق المنافقين، وتميز هؤلاء عن هؤلاء بالأعمال والمواقف الظاهرة، وتلك من أهم حكم الله المبثوثة في الابتلاء، قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا} [آل عمران:167] ، وليست"الأحزاب"ولا"أحد"إلاّ نموجا للحدث الذي يختبر به الناس فتنكشف حقائقهم، ويظهر ما كان مستورا منهم، ويفيئ كل واحد إلى الفريق الذي يعبر عن حقيقته.

ومن يتتبع حديث القرآن الكريم عن أصناف الناس يجد أن التفريق بين المؤمنين والمنافقين يأخذ مساحة واسعة من الوحي الرباني، في عملية إثارة واضحة للفواصل التي تمنع التداخل والاختلاط الذي تضيع فيه الهوية تحت ستار الوحدة الشكلية، وما كان هذا الأمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت