فالقوة المادية تصرعها القوة المادية، والقوة الفكرية تصرعها القوة الفكرية، والصراع على المستوى المادي يتحرك بكل وسائله وآلياته في دائرة الجهاد، والصراع الفكري يتحرك بكل وسائله وآلياته في دائرة الدعوة، ومن الخرافة أن نعتمد على"استراتيجية"قوة الحق لمواجهة طائرات"F16".
إن الله قادر على أن يهلك عدوه بلا واسطة أحد، وبلا معونة أحد، فقدرته مطلقة لا يعجزها شيء، وهذه الدول الكافرة رغم كل مظاهر القوة التي يمكن أن تمتلكها ما هي إلاّ حفنة من الخلق، على ظهر هباءة اسمها الأرض، تتحرك في عالم كبير تكاد تكون ضائعة لولا {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا} [فاطر:41] ، ولذلك فهو حين يجعل للمؤمنين دورا في إهلاك الكافرين، ويسند إليهم مهمة إزالة دولتهم، إنما يتخذهم ستارا لقدرته، ولو شاء لانتصر منهم مباشرة، كما انتصر من غيرهم بأسباب قدرية، بل ومن غير أسباب أصلا، ولكنه إنما يريد من وراء اسناد هذه المهمة إلى الجماعة المسلمة أن يبتلي بعضهم ببعض، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْض} [محمد:04] .
فهو الابتلاء .. ابتلاء المسلمين بالكافرين، وابتلاء الكافرين بالمسلمين.
أما ابتلاء المسلمين، فلكون السير في طريق الجهاد أداة لتمييز المؤمنين من المنافقين، ومجالا لاستخراج حقائق الناس واكتشاف المخبوء من شأنهم، ثم هو - كذلك - أداة لتمحيص المؤمنين، ووسيلة لصقل شخصياتهم، به تتم التربية على مجاهدة الهوى، وعلى التضحية، وعلى البذل، وعلى الوفاء، وعلى معان إسلامية كثيرة لا يتذوق طعمها إلاّ المجاهدون.
وأما ابتلاء الكافرين، فأولًا لكون الجهاد درسا نموذجيا في القيم، تقدمه جماعة من طلائع الأمة الإسلامية تقديما عمليا، فيتزعزع الكثير من الكافرين، ويهتز كيانهم النفسي، وربما يتوب بعضهم عندما يستوعب الدرس. وثانيًا لأن الجهاد طريق للانتصار عليهم، ولعله بهذا الانتصار تستيقظ فطرتهم، وتكون لهم فيه عبرة وعظة، فيردهم ألم العذاب إلى الصواب، {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة:21] .
إنها الحكم الربانية المبثوتة في ثنايا السنن ..
بقي أن نشير إلى التناسق العجيب بين أحكام الله في خلقه، والانسجام الكامل بين القدري منها والشرعي، فإهلاك الكافرين سنة قدرية ماضية إلى يوم القيامة، وهي في جزء كبير منها لا تتحقق إلاّ بأيدي المؤمنين، أي بالجهاد، فكان الجهاد كذلك ماضيا إلى يوم