الصفحة 62 من 89

وأنا إذ أقر بهذه الإمدادات التي يفتح الله بها على من يريد من عباده الصالحين، فإنني أحذر بشدة من النظر إليها كبديل عن الفاعلية البشرية، بحيث يتم التعامل معها على أساس أنها القاعدة العامة التي يجب الاعتماد عليها في مقابل الأخذ بالسنن، فهي إمدادات ربانية تأتي من الله تفضلا، وبعد الجهد البشري، وفي الوقت الذي يريد الله، وللحكمة التي لا يقدرها على وجه التحديد إلاّ هو سبحانه.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: بماذا يمكن أن يتحقق هذا العذاب الذي يريد الله أن يكون بأيدينا؟

ولا أريد أن ألوث عقلية القارئ بـ"إبداعات"الفكر الغنوصي الذي ينظر إلى المسألة من خلال فلسفة الانهزام فيطرح العذاب على أنه نتيجة يمكن تحقيقها عن طريق العمل على تحريك وجدان الآخر بالامتثال لصور التعذيب التي يمارسها علينا و"الصبر"عليها حتى يصل العدو إلى حالة الندم فيصاب بعذاب الضمير .. !! لا تشغل بالك، فهذه مجرد لفتة مقتضبة لنموذج من الأفكار الخرافية التي تنخر في جسم الأمة من الداخل.

المهم، حتما لن يتحقق ذلك العذاب بالدعوة، لأن الدعوة عبارة عن عملية بيان تستهدف توضيح الحق بطريقة تجعله أدعى لأن يُقابَل بالقبول، وليس في هذا أي لون من ألوان العذاب. وإنما الذي يحمل العذاب بأيدينا هو الجهاد.

بالجهاد يعذبهم الله بالقتل .. بالجهاد يعذبهم الله بالجراح .. بالجهاد يعذبهم الله بالأسر .. بالجهاد يعذبهم الله بذهاب الأموال .. بالجهاد يعذبهم الله بذهاب السلطان .. إذن بالجهاد يعذبهم الله، أي بالحرب الساخنة التي تستمد حرارتها من أجواء الجبهة العسكرية، قال تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُم} [التوبة:14] .

قال ابن كثير: (بعد إنزال التوراة لم يعذب أمة بعامة بل أمر المؤمنين أن يقاتلوا أعداء الله) [التفسير:3/ 391] .

طبعا ليس القصد هو أن نلغي دور الدعوة ولا أن نحد منه، أبدًا، فنحن عندما نركز على أهمية الجهاد في تحقيق سنة الله القدرية وإرادته الشرعية لا نريد أن نجعل الجهاد بديلا عن الدعوة، كلا، فكل منهما واجب شرعي، ولكل منهما دوره في مشروع التغيير الإسلامي، ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما بالآخر في صراع الحق مع الباطل، ولكننا نريد من خلال هذا التركيز أن نلفت نظر العاملين إلى خطورة إلغاء الجهاد عند تحديد منهج التعامل مع الدول الكافرة، وأنه سير في الاتجاه المضاد للسنن القدرية والأوامر الشرعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت