الصفحة 78 من 89

قال الطبري: (بمناصبتهم لكم الحرب على إيمانكم بالله وبرسوله وترككم عبادة ما يعبدون) [5/ 243] .

فهذا العداء ليس حالة عرضية خاضعة لاعتبارات شخصية، أو مواقف مؤقتة لا يتحكم فيها إلاّّ ميزان المصلحة والمفسدة الدنيوية التي تستدعيها طبيعة التفاعل البشري في معترك الحياة، وإنما هي هيئة راسخة في نفوس الكافرين اتجاه المسلمين، قال تعالى: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 217] .

قال أبو السعود: (بيان لاستحكام عداوتهم) [التفسير] .

وهي - وقبل أي شيء آخر - نتيجة حتمية للاختلاف في المعبود.

ثم إن الوجود الفعلي للشيطان كطرف ثالث في هذه العلاقة يساهم في صياغة طبيعتها، ولذلك يصبح من الضروري استحضاره عند إرادة تحديدها، فهو من جهة عدو للمسلمين {وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 208] ، ومن جهة ثانية هو للكافرين - دائما - ولي حميم، {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ} [الأنعام: 121] ، ولابد من ملاحظة التأثير الواضح على أوليائه، {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} [مريم: 83] ، وهذه المعطيات كلها تفرض أن النتيجة الحتمية هي استحكام العداء بين معسكري الإسلام والكفر، واستمرارية هذا العداء مادام هناك شيطان يوحي إلى أوليائه.

وبما أن هذه العداوة المستحكِمة هي المحرك الأساسي لعجلة الصراع، فمن الطبيعي جدًا أن تترجم إلى أعمال تجسد في النهاية حقيقته.

قال أبو السعود عند قوله تعالى: {إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} ؛ (فإن كمال عداوتهم للمؤمنين من موجبات التعرض لهم بسوء) [التفسير: 2/ 226] .

ولابد لهذا الصراع أن يظهر في مفردات تعبر عن وجوده، فيقع الجدال بين الفريقين، {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام: 121] ، ويقع الخصام؛ {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} [النمل: 45] ، ويقع القتال؛ {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُم} [البقرة: 217] ، يقع كل هذا ويستمر مادام هناك حق قائم وباطل موجود، وتلك سنة الله القدرية، {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 62] ، ولله الحكمة البالغة؛ {فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت