ولكي تكتمل صورة الأسباب الحقيقية للصراع الموجود بين الطرفين لابد من استحضار طبيعة العلاقة بين الحق والباطل، فالحق لابد أن يتحرك لإثبات ذاته، فهو الذي يعلو، ولا يكون ذلك إلاّ بزوال الباطل، فهما شيئان متناقضان لا يوجد أحدهما إلاّ بانتفاء الآخر، {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِل} [الإسراء: 81] ، فمجيء الحق إزهاق لروح الباطل واجتثات لأركان وجوده، ولن يكون إلاّ بتوجيه القذائف المركزة التي تستهدفه في الصميم، {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء: 18] ، وتلك - ولا شك - ليست أجواء للصراع فحسب، وإنما هي أجواؤه حين يكون على أشده، وهي بالذات طبيعة العلاقة بين المؤمنين والكافرين، {ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ} [محمد: 3] .
بل لو أراد الحق أن يملك - فقط - حقه في الوجود، دون السعي إلى اجتثات الباطل والهجوم عليه في عقر داره لما تُرك وشأنه، فإن الباطل يحرجه أن يكون الحق بجانبه، لأن أمره حينئذ سينكشف، وسحره سيبطل، فهذا نبي الله شعيب عليه السلام يقول لقومه: {وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا} [الأعراف: 87] ، يا قوم، أنتم وشأنَكم، ونحن وشأننا، اتركونا وحالنا، ونحن نترككم وحالكم حتى يقع أمر قدري يفصل بيننا، فهل تركوه؟ لقد قال الملأ: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف: 88] ، فهي القاعدة المطردة، لابد لوجود الإيمان أن يحرك العداوة في الكافرين، لا مناص، ولا خيار، ولابد للصراع أن يكون، ولن يهدأ من جهتهم إلاّ حين يرجع المؤمن عن ملته، {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ} [البقرة] .
إن الصراع هو الطبيعة الحقيقية للعلاقة بين الجماعة المسلمة وأولياء الشيطان، بل هو الوضع الطبيعي لهذه العلاقة، وأي محاولة لتحريف هذه الطبيعة، وتمييع هذه العلاقة ستحدث الفساد ولاشك، قال تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْض} [البقرة: 251] ، وما أهلك الأمة الإسلامية إلاّ هذه المحاولات المشبوهة التي تتحرك - من موقع الانهزام النفسي أمام انتفاخ الباطل - للتشويش على الطبيعة الحقيقية للعلاقة بين الكفار وأهل الإسلام، فبنظرة سطحية واستعارة واضحة لأدوات التحليل الجاهلي تُقدم العدو في ثوب الصديق الذي لا مشكلة معه إلاّ سوء الفهم أو ضعف التواصل، ولولا ذلك لكان لنا محبا، بل وعنا مدافعا.
وهي دعوة عطلت - ولاشك - الكثير من طاقات الأمة وجعلتها تتحرك في دائرة المشروع الجاهلي، بل وأصبحت أداة من أدواته وجزءا من بنيته، فتخلى البعض عن المبادئ