الصفحة 81 من 89

نعم عداوة هؤلاء الأعداء على مراتب، فبعضهم أشد عداوة من بعض، قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: 82] ، فعداوة اليهود والمشركين أشد من عداوة النصارى، لكن العداوة هي العداوة، وهي موجودة فيهم جميعا، فإن التاريخ قد حفظ للنصارى الصليبيين من العداء والاعتداء ما يعرف بالحملات الصليبية المشهورة التي استمرت قرنين من الزمان، وحروب الإبادة الجماعية في الأندلس، وحملات الاستعمار والتنصير على العالم الإسلامي كله، وباختصار فإنه باستثناء حالات محدودة - وأكثرها مواقف فردية - ظل النصارى أعداء، وظلوا جنبا إلى جنب مع اليهود عندما يكون المستهدف هو الإسلام، قال تعالى: {لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض} [المائدة: 51] ، فالعداوة هي العداوة، والصراع دائما قائم لا محالة.

طبعا مجالات هذا الصراع ليست محصورة في القتال وحده، فساحة الصراع أعم من ميدان المعركة العسكرية، ولكنّ المنهج الصحيح لإدارة الصراع هو المنهج الذي يستحضر القتال كأداة لابد منها لتحقيق المقصود، والحقيقة أنه كلما تقدم المسلم في إقامة الدين اقتربت لحظات المعركة مع أولياء الشيطان، خصوصا أئمة الكفر فيهم، {إن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ} [الممتحنة: 2] .

ولا يكون تحاشي الكفر للصدام المسلح إلاّ مناورة تكتيكية تدفع إليها معطيات ذاتية أو موضوعية تفرض عليه الانتظار، أو لأنه استشف من واقع المسلمين رعونة في التدين جعلته يطمع في تحقيق الهدف بأقل الخسائر، وإلاّ فقد قال تعالى: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ} [البقرة: 217] .

(والمقصود الإخبار بدوام عداوة الكفار ... تحذيرا للمؤمنين منهم، وإيقاظا لهم إلى عدم المبالاة بموافقتهم في بعض الأمور) [روح المعاني: 2/ 110] .

ومن شأن الاستحضار الدائم لهذه السنة القدرية؛ أن يعطي للصراع بُعدا عمليا يتجسد في مفردات الحركة اليومية، فيوجِد حالة من اليقظة الإيمانية التي تمكّن من القراءة الصحيحة لواقع الأحداث، وتوجب أخذ الحذر مهما بدت الأجواء هادئة.

ومن شأن الرعاية التامة للشكل القتالي؛ أن يفرض الارتفاع بالصراع عن الشعور السطحي الذي لا يتحرك إلاّ في دائرة المعرفة الذهنية، وأن يستدعي كذلك الرفض التام لحالة الاسترخاء التي خيمت على الكثير من أبناء الأمة المسلمة هذه الأيام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت