الصفحة 84 من 89

اللهَ عَزِيزُُ حَكِيم [الأنفال 10] . فكان الله سبحانه وتعالى يأمر السنن الكونية وجنوده الأخفياء لتحقيق هذا النصر من حيث لا يدري خصوم الحق ويأتيهم الله من حيث لم يحتسبوا. بل في أغلب الأحيان يأتي هذا النصر حينما يظن أهل الباطل أنهم قادرون ولن يُغلبوا بسبب كثرة عددهم وقوة عتادهم، وفي الوقت الذي يظن فيه أهل الحق أنهم منهزمون لا محالة وأن لا أمل في النجاة وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {وَلاَ تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونْ} [الأنفال 60] وقوله: {ذلِكُمْ وَأنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكَافِرِين إِنْ تَسْتِفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرُُ لَكُمْ، وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ المُؤْمِنِين} [الأنفال 29] ، وفي حق المؤمنين يقول رب العزة: {حَتًّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا، جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُنْجِي مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِين ... الآية} .

نود في هذا المقام أن نقف على حادثين من السيرة النبوية من أهم ما يبرز هذه الحقيقة السالفة الذكر، وهما غزوة بدر الكبرى وغزوة حنين.

قبل وقوع غزوة بدر، أنزل الله سبحانه وتعالى آيات فرض القتال والإذن به {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهُُ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرُُ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرُُّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُون، يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالُُ فِيه، قُلْ قِتَالُُ فِيهِ كَبِيرُُ وَصَدُُّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرُُ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أََهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْل} [البقرة 214 - 215] وقد جاء ذلك بعد سرية عبد الله بن جحش، وكانت تعبئة للنفوس للمعركة الحاسمة مع قريش. فوضعت هذه الآيات نفوس العصبة المجاهدة من المهاجرين والأنصار في تعبئة كاملة، كما أن آيات أصحاب طالوت رفعت المد الشعوري للمواجهة، وبينت كيف ينصر الله تعالى القلة على الكثرة، {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيَرةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينْ} [البقرة 247] .

لم نجد في استعداد المسلمين ما يشير- من قريب أو بعيد - إلى أن النصر سيكون في جانبهم فقوتهم ليست مناظرة لقوة قريش، وعددهم ليس بمتكافئ مع عدد قريش بل كانت قريش في مركز الثقل كذلك. وزين لها النصر غرورها وخيلاؤها، وما تتمتع به من استعداد وطول.

أما المسلمون فقد هُدوا إلى الترفع عن المادة، وتفريغ القلب من الحطام، ووُجِّهوا إلى الثقة بالله، والتعلق به في إخلاص وتجرد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت