وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم من العريش الذي نصب له يتفقد جيشه بنفسه، وينظم صفه ويقوي من رباطة جأشه، ويشد بروحه من عزمه، ويسدي إليه النصح، ثم هو يخطب فيهم محرضًا على القتال والاستشهاد في سبيل الله، ويبشرهم بالجنة فيقول: (لا يقاتلهم اليوم رجل، فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة) .
وتقع الكلمات النبوية في النفوس موقعها الملائم، فيتعجل بعض الصحابة الموت، حتى ما ينتظر تناول تمرات وهي في يده، فيهرع إلى الموت يقاتل بغير زاد حتى يقتل.
ويدلف النبي عليه الصلاة والسلام إلى عريشه يدعو الله، ويلح في الطلب، ويبالغ في الابتهال والتضرع .. لقد صدق المؤمنون ربهم في الجهاد، وأخلصوا له بقلوبهم، فهيأ لهم أسباب النصر المادية والمعنوية:
1)وعدهم إحدى الطائفتين: العير الذي أرادوه، أو النصر الذي أراده الله لهم.
2)غشاهم النعاس حتى أمنوا واطمأنوا، وشاعت الثقة في جوانب أنفسهم.
3)أرى الله نبيه في نومه قلة عدد عدوه ليشد من عزمه ويقوي قلبه.
4)أنزل الله عليهم الماء من السماء، فتلبد الرمل تحت أقدامهم، وصلح تنعلهم فوقه في رفق ويسر، وثبتوا في مواقعهم، ولكن توحل موقع المشركين، فتخوضوا بالوحل وساءت حالتهم.
5)أراهم العدو قليلًا حين المواجهة لكيلا يفزعوا، وأرى عدوهم المسلمين قلة، وكانوا كذلك، لكي يسترسل ويتمادى في صلفه وطغيانه وعتوه {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} [الأنفال 44] .
6)أرسل جندًا من عنده، تحارب مع المؤمنين تنفث في قلوبهم حرارة اليقين وتغريهم بالهجوم والتقتيل {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان .. } [الأنفال 12 - 13] .
وهكذا وثق المسلمون بربهم، وقاتلوا بالإيمان مستبسلين، واستماتوا في طلب الشهادة، وركنت قريش إلى صلفها وغرورها واستنصرت بكبريائها وعزتها، وقاتلت في سبيل الشيطان، بين الكؤوس والثغور والمعازف فانهزمت مخلفة وراءها قتلى وأسرى فيهم رؤوسها،